انعكاس خطط ومشاريع مكافحة الإرهاب على المجتمعات العربية والجاليات المسلمة

الرابط المختصر

عقد المنتدى العالمي للوسطيه ندوته الشهرية في مقر المنتدى مساء اليوم السبت الموافق 13/5/2017 حول( مشاريع مكافحة الغلو والتطرف بين النظريه  والتطبيق)، وتحدث فيها كلا من الكاتب والباحث بشؤون الفكر والحركات الاسلامية الأستاذ أسامة شحادة، ومدير وحدة مكافحة التطرف في وزارة الثقافة اللواء المتقاعد شريف العمري، واستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة الاردنية الدكتور غازي ربابعة وأدار الحوار والجلسات الدكتور محمد خير العيسى مفتي الامن العام السابق.

وهذا نص الورقة التي قدمتها في الندوة:

انعكاس خطط ومشاريع مكافحة الإرهاب على المجتمعات العربية والجاليات المسلمة

أسامة شحادة

منتدى الوسطية – عمّان 13/5/2017

 

تمهيد:

إن الإرهاب والتطرف أصبحا في حاضرنا مصدر خطر وتهديد متعاظمين، وهما لا يختصان بدين أو بلد أو قومية أو أيديولوجية محددة، وبرغم كل جهود محاربة الإرهاب إلا أنه في الحقيقة يتعاظم ويتفاقم ويتمدد.

وبخصوص منطقتنا في بلاد الشام والعراق، والعالم العربي عموما، فالإرهاب أصبح من أكبر التحديات لوجود بلادنا ومجتمعاتنا، فالإرهاب اليهودي يتصاعد إذ يسعى لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على ما تبقى من أرضهم والسيطرة على المسجد الأقصى، فضلا عن جرائمه بالقتل والاعتقال والحصار لغزة، ولا تجد لهذا الإرهاب من رادع أو التفاتة من المجتمع الدولي.

وعندنا الإرهاب الإيراني الشيعي عبر الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس وعبر الميلشيات الشيعية الطائفية من عدة دول، والتي تنشر الإرهاب في العراق وسوريا دون رادع أو نكير من المجتمع الدولي، ومثله ما يقوم به الحوثيون في اليمن من انقلاب وعدوان على كافة أطياف الشعب اليمني دون اعتراض جدي من العالم.

وعندنا إرهاب التنظيمات المتطرفة كالقاعدة وداعش، والتي تعيث في بلادنا تخريبا وتفجيرا، وتحقق مصالح الإرهابين اليهودي والشيعي في تفتيت وحدة أهل السنة وتدمير مناطقهم ومدنهم وتهجير سكانها، وللأسف فإن هذا الإرهاب هو فقط الذي يهتم به العالم، برغم أن الإرهاب اليهودي والإسرائيلي يفاقم الإرهاب في المنطقة وهو ما حذر ونبّه عليه الملك عبد الله الثاني مراراً في خطاباته السياسية والإعلامية في السنوات الماضية!

وبرغم أن أول اتفاقية دولية لمنع الإرهاب مضى عليها 80 عاما حيث أصدرت عصبة الأمم سنة 1937 اتفاقية لمنع الإرهاب، إلا أن العالم لليوم لا يتفق على تعريف للإرهاب! مما يفتح الباب لتبرئة كثير من الإرهاب حين يلزم، وتجريم كثير من غير الإرهاب حين يلزم! مما يفاقم الإرهاب في الواقع والحقيقة!

إن هناك غضًّا للطرف عن إرهاب إسرائيل وإيران ومليشياتها، وكذلك الميلشيات الإرهابية الكردية على الأقل في منطقتنا من جهة، وإن هناك بالمقابل توسعا في تجريم ووصم كثير من التيارات والهيئات والمؤسسات الإسلامية بالإرهاب لصالح أجندات محلية وإقليمية ودولية، مما يفاقم الأوضاع سوءًا ويخلط الأوراق، استحضار هاتين الحقيقتين مهم لفهم واقع خطط مكافحة التطرف والإرهاب.

 

 

خطط مكافحة الإرهاب

لا تتوفر معلومات كافية عن خطط مكافحة الإرهاب كما أن هناك شحّا في المعلومات والدراسات حول الإرهاب مما يجعل الحديث العلمي والموضوعي أمرا صعبا.

لعل كتاب أوراق مؤتمر "وسائل منع ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي الغرب" والذي نظمته مؤسسة فريدريش ايبرت في عمان عام 2016 هو أهم مصدر وقفتُ عليه لعرض جوانب من خطط مكافحة الإرهاب.

ويمكن إجمال أهم أفكار أوراق هذا المؤتمر خلال الفرصة القصيرة المتاحة بالنقاط التالية:

1- الاعتماد على المعالجة الأمنية والعسكرية هو النهج الأساسي والسائد الذي قادته الولايات المتحدة عقب أحداث 11/9، وهذه الخطة نجحت في اغتيال بعض قادة ورموز تنظيم القاعدة ومن ثم داعش، لكن في المقابل لا تزال طالبان والقاعدة وداعش قائمة بل وتوسعت في السنوات الماضية، كما أن حالة العداء لأمريكا توسّعت في كثير من المناطق التي استهدفتها بسبب الآثار الجانبية لهذه السياسة العسكرية الهوجاء، فجرائم القوات الأمريكية في المعتقلات والسجون تجاه المعتقلين كما في سجن أبو غريب وغيره وقصْف وقتل الكثير من الأبرياء والمدنيين بالخطأ وبالعمد، كما تم استعداء الكثير من المؤسسات والشخصيات المعتدلة بأوهام تعاونهم مع الإرهاب فأوقفت العديد من الجمعيات الخيرية والإغاثية مما فاقم الفقر والحرمان وولّد مناخا ملائما لزيادة تفريخ الإرهاب.

وكل الدول العربية التي اعتمدت المقاربة الأمنية لوحدها أو بشكل أساسي تفاقمت المشكلة عندها كمصر واليمن والعراق.

2- ساهم غياب تعريف الإرهاب أن أصبحت خطط أو سياسات محاربة الإرهاب غطاء للكثير من التجاوزات القانونية والاعتداء على حقوق المواطنين والاستبداد على مستوى الدولة المحلية، وأيضا مبررا لتجاوز القوى العالمية معايير حقوق الإنسان من قبل حلفائها في سبيل محاربة الإرهاب! مما خلق حالة من التحالف مع إرهاب الدولة كالعراق ومصر أو إرهاب فصائل كقوات سوريا الديمقراطية لمحاربة إرهاب داعش، مما يفاقم المناخ المؤيد للإرهاب من قبل سكان المناطق المستهدفة!

أيضا ساهمت القوانين المستعجلة لمحاربة الإرهاب، خاصة في أمريكا، في ظلم كثير من المعتدلين من الشخصيات والمؤسسات، وتطلب إصلاح ذلك سنوات طويلة، كما أن اعتماد قامون الأدلة السرية تسبب في اتهام أبرياء وتلفيق تهم إرهابية لهم!

وفي فرنسا تسببت قوانين الرموز الدينية عام 2004 وقانون منع النقاب في الأماكن العامة في اتخاذها ذريعة للإرهابيين لممارسة إرهابهم.

3- تصاعدت الدعوات لعدم الاقتصار على المعالجة الأمنية وضرورة مراعاة كافة الظروف المنتجة للإرهاب كالأحوال الاقتصادية المنهارة والفساد السياسي والاستبداد، وفي الأردن طالب بمراعاة ذلك في مكافحة الإرهاب الملك عبد الله الثاني في عدد من خطاباته ورسائله ومقابلاته الإعلامية، وأيضا رئيس هيئة الأركان الفريق محمود فريحات كرّر ذلك في محاضرته الأخيرة في مؤتمر روسيا للأمن الدولي.

4- تم إطلاق عدة مبادرات فكرية ودينية للدعوة للاعتدال ومحاربة التطرف في عدد من الدول العربية، كان من أبرزها في السعودية (حملة السكينة) و(برنامج المناصحة) الذي حقق نتائج متقدمة في تقويم سلوك المتورطين في مسار العنف.

5- يلاحَظ على برامج مكافحة الإرهاب أنها تستغرق وقت طويلا لإقرارها، ثم تحتاج إلى وقت طويل أيضا لتتحول إلى برنامج عمل ويتم تنفيذها، وفي ذلك الوقت يكون التطرف والإرهاب قد طورا من أساليبهما وأدواتهما بحيث أن كثيرا من مفردات الخطة سيصبح غير ذي بال.

6- هناك مشكلة أخرى في وضع الخطط، ذلك أن الهدف من الخطط الشمولية معالجة أسباب ظهور فكر التطرف والتي ترتبط بظروف سياسية واجتماعية، وهذا يرتبط بتطوير التشريعات القانونية والسياسية وتطوير الحالة التعليمية وانعاش الاقتصاد.

ولكن حين تتحرك العجلة لوضع الخطة يتم تضمين الخطة قصدا أو جهلا أجندات معيّنة تحرف الخطة عن مسارها لمحاربة التطرف لتصبح هي بذاتها مفرخة للإرهاب!

فمثلا حين تصبح خطط محاربة التطرف خططا لمحاربة الإسلام كما نرى في الهجوم على الأزهر ومشيخته، أو حين تطالب هذه الخطة المحلية أو العالمية بالتلاعب بأسس الإسلام أو دعم اتجاهات مشبوهة بوصفها الإسلام الصحيح أو المعتدل أو المستنير كؤتمر سنّة بوتين في الشيشان!

مثلا في الأردن عندنا عجزٌ في توفير الخطباء والأئمة المؤهلين يصل لأكثر من 2000 إمام، ونصف الخطباء غير مؤهلين -بحسب وزير الأوقاف د. وائل عربيات في ندوة سابقة بمنتدى الوسطية- وعددُ خريجي كليات الشريعة لا يتجاوز سنويا 200 خريج، في ظل كل هذه الظروف يتم إصدار قرار برفع معدل قبول كليات الشريعة مما يدفعها للإغلاق على المدى المتوسط، ويفاقم مشكلة عجز الأئمة والخطباء المؤهلين في المساجد، ويفاقم مشكلة الجهل الديني الذي يشكل حاضنة للتطرف والغلو والتكفير والإرهاب لاحقا! ولنا في تجربة تونس التي تبنّت سياسة علمانية متطرفة بتجفيف منابع التدين فحاربت جامع الزيتونة وجامعتها، وقلّصت المؤسسات الإسلامية وطاردت الحرمة الإسلامية وتبنت العلمانية المتوحشة، وكانت النتيجة أن الشباب التونسي هم أكثر من انضم لداعش بين شباب الدول العربية!

ويشابه هذا القرار غير السليم فكرة الخطبة الموحدة والهجمة على مناهج التعليم الدينية والدعوات المتكررة لعلمنة المجتمع والدولة وتجاوزات كثير من الفاعلين على شبكات التواصل الاجتماعي.

مقابل هؤلاء يتم حرف بعض فعاليات خطط  مقاومة الإرهاب عند محاولة فرض مذهب عقدي وفقهي محدّد على كافة الأئمة والخطباء وأساتذة الجامعات وطلبتها، وهو فعل مشابه لفعل داعش التي تحرص على فرض رؤية أحادية على المجتمع! كما أن هذا يتعارض مع رسالة عمان التي أقرّت عددا من المذاهب الفقهية والعقدية! وفوق ذلك يعتبر صرفا للحرب على الإرهاب إلى حرب جانبية مع التيار السلفي الذي كان سباقا في محاربة التطرف والغلو قبل تعرّض الأردن لعمليات الإرهاب بعقد من الزمان عبر إصداراتهم وحواراتهم في المجتمع مع المتأثرين بفكر الغلو، وهذا أمر معروف ومشهور.

هذا الخروج عن سكة محاربة الإرهاب لمحاربة غالبية المجتمع في دينه وإسلامه أو قطاع من المجتمع هو خلل يولّد القلق والاضطراب في المجتمع ويساعد الإرهاب على التمدد بدلا من التقلص!

7- إن محاربة التيار الإسلامي على صعيد العمل السياسي كما يحدث في عدد من الدول هو "شيك على بياض" للقوى الإرهابية تتقوى به وتسحب من رصيد التيارات الإسلامية السياسية ليكبر رصيد المتحولين للإرهاب، ولعل تجربة الجزائر ومصر حاليا دليل على ذلك.

8- ليس هناك ظروف موحدة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وتعليميا للمنخرطين في مسار التطرف ومن ثم الإرهاب، ولذلك جعْل هذه العوامل هي الأساس خطأ كبير، لا شك أن لهذه العوامل دورا مهما، لكن عامل القناعة والانحراف الفكري الذاتي في فهم الدين هو العامل المركزي في نشأة التطرف والغلو، ولكن تحوله للإرهاب غالبا ما يرتبط بالتوظيف من قبل جهات خارجية كأجهزة الأمن المحلية أو الخارجية والتي تستغل الظروف الاقتصادية والسياسية لتحويل التطرف لإرهاب.

وبعد دراسةٍ لكثير من تنظيمات العنف كان تلاعب السلطات المحلية هو سبب الإرهاب الذي مارسته هذه الجماعات مثل تنظيم شكري مصطفى زعيم جماعة التكفير والهجرة، وما جرى في الجزائر في العشرية السوداء كان الأمن الجزائري هو المحرك له، وإيواء طهران ولندن لقادة الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد المصرية والقاعدة هو سبب تفريخ كثير من الجماعات والعمليات الإرهابية، ودعم إيران لتنظيم القاعدة في السودان في التسعينيات وتنظيم الزرقاوي في بغداد لإشعال حرب أهلية بين الشيعة والسنة، ودعم نظام بشار للقاعدة ضد أمريكا، وكلنا بات يعرف حقيقة لعبة أبي القعقاع محمد قولاأغاصى في تجنيد الشباب للجهاد في بغداد بإشراف مخابرات بشار، وبعدها جاء تمكين داعش من النمو والتضخم من قبل حكومة نوري المالكي ونظام بشار وتحت عين أمريكا. وتلاعبت الجزائر كذلك بالقاعدة فدعمتها لتوجّه ضرباتها ضد المغرب!

إن هذا العامل مهملٌ في كافة خطط مقاومة التطرف والإرهاب، فطالما بقي الجهل الديني يقود شبابا متهورا ويسمح للماكر الخبيث من التلاعب بهؤلاء الشباب فستبقى بلادنا في دوامة من الارهاب المدمر.

9- كثير من خطط محاربة الإرهاب تركز على المجتمع بشكل عام بما يضعف قابلية التطرف والإرهاب، وبعض الخطط تركز على معالجة من تورط في الإرهاب بدرجاته وخاصة في السجون.

لكن هناك ضعف شديد في معالجة وقاية أسر المتطرفين من التطرف والإرهاب، وهناك فقر في تخصيص برامج خاصة للبيئات الحاضنة لإرهاب سواء كانت بيئات ثقافية او جغرافية، كما أن برامج تأهيل الدعاة لمقارعة فكر الإرهاب والتطرف في كثير من البلاد إما ساذجة ويغلب عليها النظرة الرسمية أو معدومة، بينما الفقه والعقيدة الإسلامية والواقع المعاش غني بتنفيد أسس وجذور هذا الفكر الإرهابي ولكنه غير مفعل، وكذلك التاريخ الأسود للعنف وكوارثه محجوبة عن غالبية الشباب المتعاطف والقابل للشعارات البراقة التي يرفعها التطرف والإرهاب.

وهناك أيضا شريحة الجانحين والمنحرفين والذين أصبحوا خزان مهم لدعم الإرهاب بالكوادر والطاقات ليس لهم مكان في برامج مكافحة الإرهاب.

الخلاصة:

- الخطط الموجودة حاليا ضد الإرهاب غير المعرف ولا المحدد، تحقق نتائج جيدة في بعض الجوانب، لكنها تنتج آثارا جانبية سيئة قد تكون أخطر من الوضع القائم!

- ليس هناك تصور كامل وصحيح -فيما يبدو- لمشكلة الإرهاب ولذلك تأتي الخطط متأخرة وتنفذ ببطء وخلل أيضا، مما يترك المشكلة تنتقل من جانب لآخر ومن مكان لمكان دون إنجازات حقيقية كبيرة.

- الإرهاب اليوم تتقبله شرائح جديدة من المجرمين السابقين والمنحرفين دينيا وأخلاقيا، وهذا قد يكون نتاج تلاعب أجهزة الاستخبارات (كُشف أن مخابرات بشار لوحدها تشغل عدة آلاف من معرفات وسائط التواصل الاجتماعي) أو أن داعش طورت استراتيجيتها، لكن كم سنحتاج لوضع استراتيجية مقابلة؟

- العلاج الفكري لأصل فكر التطرف والغلو لا يزال مهملا، برغم أن القاعدة الذهبية تقول: "للقضاء على البعوض جفّف المستنقع" والمستنقع هنا هو الجهل بالدين وليس الدين نفسه، لكن الخطط التي تجفف الدين نفسه في المجتمع بمطاردة الدين في الجامعات والمدارس والمساجد تحقق مقولة: "العملية نجحت والمريض مات"!