هل مِن العقلانية اتخاذ العقل مرجعية مطلقة؟ (6)

الرابط المختصر

يمكن إجمال الرؤية الإسلامية في رفض فرض عقل اليونان ومنطق أرسطو على العلوم الشرعية والرؤية الإسلامية للعقل، ومنها رؤية ابن تيمية، والتي هي تطوير وتفصيل لتراث علماء الإسلام والسنة من قبله من خلال المحاور التالية:

- رفض القانون الكلي الذي قرره المتكلمون ونضج على يد الرازي بإمكانية تعارض الوحي الرباني مع العقل! وأنه إذا حصل التعارض قدم العقل على الوحي! ولزم تأويل النقل!

فألف ابن تيمية كتابه الكبير "درء تعارض العقل والنقل" لهدم هذا القانون الباطل وإبطال إمكانية وجود تعارض بين الوحي الرباني الثابت القطعي مع مقتضى العقل السليم القطعي، لأنهما لا يتعارضان، لكن الذي يتعارض مع الوحي الرباني هو العقل اليوناني الضال لأنه باطل وليس لأن الوحي الرباني باطل!

وتحدّاهم ابن تيمية بإثبات ذلك أو ذكر مثال له، ولليوم، وبعد قرون طويلة يعجز خصوم ابن تيمية من ذكر مثال صحيح لتعارض وحي قطعي مع عقل قطعي!

وبيّن ابن تيمية أنه إذا تعارض في فهم الناس وحيٌ مع عقل، يُنظر أيهما القطعي الثابت ويُقدم على غير القطعي، فليس التقديم للعقل أو النقل دائماً، بل التقديم للقطعي منهما دائماً، ولذلك اهتم علماء السنة بتمييز روايات الأحاديث لمعرفة الصحيح منها عن السقيم فضلاً عن نقد المتن وتحقيق دلالة النقل، كما أنهم يفحصون صحة ما يُزعم أنه عقل معارض للوحي.

- وكما رَفض ابن تيمية زعم تعارض الوحي والنقل مع العقل، رفض أيضا الحل الذي اختاره المتكلمون والفلاسفة لعلاج هذه المعارضة المتوهمة من خلال التزام تأويل النصوص الشرعية بطريقة فاسدة لا تلتزم قواعد اللغة العربية من جهة المعنى أو التركيب الخاص أو السياق والسباق وليس له قرينة، وبذلك التأويل لم يعد للقرآن الكريم معنى ظاهر يفهمه الناس بما يخالف مقصد نزول القرآن الكريم "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" (البقرة: 2)، فلم يعد القرآن الكريم بالتأويل هدى للناس!

ومما يؤكد الخلل الكبير في اعتماد التأويل كحلٍّ لتوهم معارضة العقل والنقل أن من قدموا العقل على النقل اختلفوا في مقدار النصوص التي تؤول في الإسلام، يقول د. محمد الجليند في مقدمة كتابه "الإمام ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل": "فالفلاسفة وشاركهم الباطنية عمدوا إلى تأويل نصوص المعاد واليوم الآخر، وهي تعدل ثلث القرآن، والقرامطة قد اختصوا بتأويل العبادات وهي ثلث القرآن أيضاً، والمتكلمون وشاركهم الفلاسفة عمدوا إلى تأويل نصوص الألوهية وصفاتها، وهي ثلث القرآن أيضاً، وبذلك يكون القرآن كله قد صار مؤولا ومصروفا عن ظاهره". وقد لخص ابن تيمية حقيقة ثمرة جريمة التأويل الباطل للوحي الرباني بقوله: "يسقون الناس شراب الكفر في آنية الأنبياء".

ولِفهم حقيقة خطورة التأويل الباطل للوحي الرباني المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية يكفي أن نعلم أن كل انحرافات دعاة الباطل في عصرنا الذين يحرفون عقائد وأحكام الإسلام جهاراً نهاراً وعلى الشاشات بالصوت والصورة كشحرور وعلي كيالي وأمثالهما إنما عدتهم الوحيدة في توليد باطلهم إنما هي آلية التأويل الباطل القديم لكنها نسخة محدثة!

وبهذا يتبين لنا خطورة تقبل منطق وفلسفة اليونان على عقيدة الإسلام، ويتبين لنا عقلانية منهج علماء السلف والسنة المبكر وموقف وابن تيمية المتأخر برفض فلسفة ومنطق اليونان واتساق ذلك مع تعظيم أمر  الوحي الرباني.

- كما رفض ابن تيمية وعلماء السنة من قبله محاولة بعض المتكلمين بالوصول لحل آخر لا يؤول الوحي الرباني بل ينفي معرفة الصحابة والسلف لمعاني كثير من الوحي الرباني والخاص بآيات الصفات الإلهية، وهو ما سمي تفويض المعنى.

ويتلخص منهج علماء السنة والسلف بأن الوحي الرباني جاءنا باللغة العربية الواضحة المبينة "وإنه لتنزيلُ رب العالمين* نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذِرين* بلِسانٍ عربي مبين" (الشعراء: 192-195)، وأن معاني الوحي واضحة معروفة، وإلاّ ما فائدة أن يخاطبنا الله عز وجل بكلامٍ لا نعرف معناه؟

ولذلك كان منهج علماء الإسلام والسلف الصالح في آيات الصفات الإلهية التي ضلّ فيها المتكلمون والفلاسفة هو ما أصّله الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيْف مجهول، والإيمانُ به واجِب، والسؤالُ عنه بدعة"، فعلماء السنة والسلف يَعلمون المعنى ويجهلون ويفوضون الكيفية لأنها من الغيب الذي لا ُيعرف بالعقل البشري.

هذه هي معالم نقد ابن تيمية لفرض معقولات اليونان على أهل الإسلام، وأما بخصوص رؤية أهل السنة للعقل ومكانته ودوره فهي تقوم على ما يلي:

تابع ابن تيمية ما وصل إليه علماء السنة والسلف من الصواب في معنى العقل وأنه غريزة فطرية في الإنسان ووظيفة إدراكية، وليس شيئا ماديا بخلاف ضلال اليونان ومَن تبعهم من المتكلمين والفلاسفة الذين اعتبروا العقل جوهرا ماديا، وفصل ذلك د. فهمي النجار في كتابه الأول (العقل) من سلسلته الدراسات النفسية عند الإمام ابن تيمية.

واتفق علماء الإسلام والسنة على أن العقل هو محل التكليف والثواب والعقاب، وأنه من أبرز مظاهر التكريم الرباني للبشر.

ولكن أهل السنة وابن تيمية ومن سار على دربهم أدركوا أن قدرات العقل البشري تسمح له بالإبداع لكن في مجال عالم الحس والشهادة وهو ما أرشدت وأمرت به آيات القرآن الكريم "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الرعد: 3)، وأن الحواس هي أدواته في الفهم والمعرفة والعلم "ولا تقْف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" (الإسراء: 36).

ورغم ضخامة قدارات العقل كما يتبدى من علوم ومعارف ومبتكرات البشر عبر التاريخ، إلا أنها من جهة ثانية قدرات محدودة وليست مطلقة كما هو الحال أيضاً مع قدرات الحواس والتي هي أدوات العقل، حواس الإنسان تعجز عن رؤية الكثير من الأشياء لدقتها أو سرعتها أو بعدها، وكذلك الأصوات هناك ما لا يمكن سماعه لضعفه وبعضها لشدته، وهكذا، وهذا الذي قرره علماء السنة منذ القدم وفصله ابن تيمية في القرن السابع الهجري من محدودية قدرة العقل هو ما توصل له (كانط) في القرن الثامن عشر الميلادي في كتابه "نقد العقل الخالص" واحدث بذلك ضجة كبرى!

ولذلك كان من مصادر عمل العقل الخبر الصادق عما غاب عنا، فكثير من الأشياء لا تدخل تحت الحواس كالبلاد البعيدة أو الحيوانات التي تعيش في محيطنا وليس لنا من مصدر لمعرفتها أو العلم بها سوى الخبر الصادق عمن رآها فهي من الغيب النسبي، ومع تطور العلم أصبحت الصورة توثق ذلك، وبعد وصول وثبوت الخبر عنها يبدأ العقل يتعاطى معها، وكذلك حال عالم الغيب المطلق (الميتافيزيقيا) فلا مجال للعقل فيه إلا عبر الخبر الصادق = الوحي الرباني والنقل الصحيح.

ولذلك نجد شيخ الإسلام ابن تيمية ومِن قبله من علماء السلف لم يرفضوا جانب الطبيعيات والرياضيات في الفلسفة اليونانية ولكن عدلوا وصوبوا الكثير منها، وفي ذلك يقول ابن تيمية عن تقسيم العلوم في الفلسفة ونقد تقديمهم علم الرياضيات على علم الطبيعيات: "إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي، وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي‏ ، والإلهي أشرف من الرياضي، هو مما قلبوا به الحقائق، فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج، ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال، وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة، فإن كون الإنسان لا يتصور إلا شكلاً مدورًا أو مثلثًا أو مربعًا"، ويقول ابن تيمية في دقة علم الرياضيات: "فإن علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل، والهندسة التي هي علم بالكم المتصل، علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة، مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ونسبة بعضها إلى بعض"، وعليه فإن المطالبة بتدريس طلبة المدارس الفلسفة إن كان المقصود بها تدريسهم النظريات الفلسفية الباطلة القديمة والحديثة في قضايا الغيب (الميتافيزيقيا) فهذه مطالبة من أعظم مطالب الباطل والضلال، وإن قصد بها تعليم الطلبة أسس البحث والتفكير العلمي السليم في قضايا ‏عالم المادة فهذا أمر محمود ومطلوب.

هذه كانت حقيقة دعوات تحكيم العقل مطلقاً في القديم وتبين أنها تهدم العقل أولاً، والدين ثانياً، فهل تغير هذا الحال المائل مع دعوات تحكيم العقل المعاصرة في عالم ما بعد الحداثة؟