محاور الإيمان بالغيب في عقيدة التوحيد 3- محور كيفية تحقيق غاية الوجود

الرابط المختصر
Image
محاور الإيمان بالغيب في عقيدة التوحيد 3- محور كيفية تحقيق غاية الوجود

 تبين معنا أن محاور الغيب في عقيدة التوحيد الإسلامية تقوم على بيان حقيقة الوجود وأنه مخلوق بدقة وحكمة ونظام، وبيان حقيقة الموجود وانه الله عز وجل وأن الغاية من الخلق والوجود هو عبادة الله عز وجل، واليوم نتعرض للمحور الثالث وهو كيفية تحقيق غاية الوجود وهي العبادة وما هو موقف البشرية من هذه الغاية ؟
إن عبادة الله عز وجل هي غاية وجود جنس الإنسان والذي من أجله سخر الله له هذا الكون الفسيح وأسجد له الملائكة، ولما كانت هذه الغاية لا يمكن معرفتها إلا من خلال إخبار الله عز وجل لنا بها في الوحي.
فالله عز وجل خلق جنس البشر والإنسان ليكون خليفة في الأرض فقال تعالى: "إني جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30)، والله عز وجل حين خلق آدم عليه السلام علمه الأسماء كلها، وأمره بالسكن في الجنة وعدم الأكل من شجرة بعينها، قال تعالى: "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين" (البقرة: 35).
ولكن إبليس خدعهما "فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين" (البقرة: 36)، ومن رحمة الله عز وجل علم آدم كيف يتوب "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم" (البقرة: 37)، ومع توبة الله على آدم إلا أنه عاقبه بالهبوط من الجنة، قال تعالى: "قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة: 38)، فأخبرنا الله عز وجل أنه سيرسل للبشرية والإنسانية الهداية التي من التزم بها لا يخاف من المستقبل ولا يحزن على ما فات.
ولذك أرسل الله عز وجل الرسل للناس والأمم عبر التاريخ لينشروا الهداية، قال تعالى: "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" (فاطر: 24)، وقال أيضاً: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" (النحل: 26)، وسأل أبو ذر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: "مائة ‏ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل من ذلك  ثلاثمائة وخمسة عشر، جما غفيرا"،‏ وصححه الألباني في مشكاة المصابيح .
وأخبرنا ربنا في القرآن الكريم أن دعوة الرسل والأنبياء عبر التاريخ دعوة واحدة هي دعوة التوحيد، قال تعالى: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" (النحل: 36)، وقال جل في علاه: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" (الأنبياء: 25)، فتوحيد الله في العبادة هو دين البشرية عبر كل العصور، "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران: 19)، وقال صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء أولاد علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، وهذا هو مفهوم الوحدة البشرية الصحيح، أن الناس كلهم متساوون في الخلق ومتساوون في العبادة وأن التفاضل العادل هو بتقوى الله عز وجل "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات: 13).
وقد بين الله عز وجل الغيب حول كيفية تحقيق غاية الوجود وهو العبودية لله عز وجل لا سبيل له إلا باتباع الرسل والأنبياء وما جاؤا به من الوحي والكتب، قال تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله" (النساء: 64)، فهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق غاية الوجود وهو توحيد الله عز وجل وعبوديته.
وفي عصرنا الحاضر الذي ختمت النبوة فيه وانتهت بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أمرنا الله عز وجل باتباع رسالة محمد عليه الصلاة والسلام الخاتمة والشاملة لجميع البشرية ولنهاية الزمان، فقال تعالى: "وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (الأنعام، الآية 153)، وأكد ذلك في آيات عديدة منها قوله تعالى: "وهذا كتاب مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" (الأنعام، الآية 155)، فهذا سبيل الهداية وهو اتباع الأنبياء وما جاؤا به من الهدى، وفي عصرنا سدت جميع الأبواب وبقي باب محمد عليه الصلاة والسلام الموصل لمرضاة الله تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله" (آل عمران: 31).
ولذلك فإن السبيل لتقوى الله عز وجل والوصول لمرضاته يكون بطاعته وعبادته كما بين لنا سبحانه في القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية الصحيحة وقد لخص لنا ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: "لا يعبد إلا الله، ولا يعبد الله إلا بما شرع".
فالصلاة والصوم والطواف والتوسل والاستغاثة والدعء والحلف لا يكون إلا لله وبالله عز وجل، ولذلك أنكر الله عز وجل عبادة الأصنام والملائكة والرسل والأنبياء، فلا يجوز الطواف إلا ببيت الله عز وجل أما يا يحصل من بعض الناس من الطواف بالقبور والأضرحة فهذا مخالف لدين الله عز وجل مهما كان الميت عظيماً عند الله، وكذلك الدعاء والتوسل والاستغاثة لا تكون إلا بالله عز وجل، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هكذا كانت البشرية طيلة تاريخها مطالبة باتباع الهداية الربانية، لكن إبليس الرجيم توعد بنى آدم بإضلالهم وصرفهم عن هداية الله عز وجل كما قال تعالى عنه: "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين" (ص: 82-83).
فقد كان آدم عليه السلام وبنيه مؤمنون موحدون لله عز وجل وليس كما يزعم المبطلون أن الإنسان لم يكن يعرف الدين ثم اخترعه لأنه منحدر من حيوان! يقرر القرآن حقيقة الغيب بأن الإنسان الأول خلق كاملاً وكان مؤمنا بل نبياً.
وفعلاً تمكن في البداية إبليس من التلبيس على بعض الناس بتعظيم الصالحين ورسم صورهم على جدران مجالسهم ومع الزمن وتعاقب الأجيال زين له الشيطان الشرك بالله وعبادة هؤلاء الصلحاء والأولياء مع الله عز وجل ليقربوهم منه زلفا!! قال تعالى: "وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا وسواعاً ولا يغوث ويعوق ولا نسراً" (نوح: 22)، ونقل لنا ابن عباس تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لها فقال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت"، رواه البخاري، وروى الإمام ابن جرير الطبري عن ابن عباس أيضاً: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" وذلك في تفسير قوله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" (البقرة: 213)، وبهذا ظهر الشرك في تاريخ البشرية متأخراً 10 قرون، وليس كما يروج أن اللادين هو الأصل في البشرية ثم عبادة الاوثان والطوطم ثم اختراع التوحيد على يد اخناتون! فهذه هي الطوطمية بنفسها والتي هي قدح بالغيب بالجهل والتخرص.
ولذلك فإن عقيدة التوحيد تقرر أن الإنسان يولد على الفطرة السليمة ولكن البيئة هي التي قد تحرف وتلوث هذه البيئة وهو ما توصلت له العلوم الاجتماعية مؤخراً، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" رواه مسلم.
وبعد ذلك أخذت الأمم تتنوع في تقبلها لدعوة الأنبياء والرسل فبعضها يؤمن ويتبع الرسل ويسعد كما حصل في زمن داود وسليمان الذين حكما الدنيا بما لا مثيل له قال تعالى عن سليمان: "قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب" (ص: 35)، وفعلا وهب له له ملكا قال عنه: "فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * آخرين مقرنين في الأصفاد" (ص: 36-38).
وأمم أخرى لم تؤمن كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون، فاستحقوا العذاب، وحدثنا الله عز وجل عنهم فقال: "كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب" (ص: 12-14).
ومع الرسالة المحمدية الخاتمة فإن البشرية انقسمت لقسمين قسم عارضها وكفر بها، وقسم آمن بها وقد تعهد الله عز وجل أن لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الرسالة هي الغالبة والمنتصرة قال سبحانه: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (التوبة: 33)، وقد تحقق جزء كبير من ذلك قديماً، واليوم كل المؤشرات تشير لتفوق الإسلام من جديد على كافة الأديان، وهذا من أسباب الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين من الأعداء الذين يرقبون هذه المؤشرات بدقة!