الصلاح والإصلاح من مكونات الإيمان بالله عز وجل

الرابط المختصر

الصلاح والإصلاح في القرآن الكريم وصف ممدوح وأمر مطلوب كما في قوله تعالى: "إنا لا نضيع أجر المصلحين" (الأعراف: 170) وهما حالة عامة تشمل جميع الأعمال والسلوكيات القلبية والقولية والعملية والمالية، وقد تكررت في الكثير من آيات القرآن الكريم مشتقات مادة (ص ل ح)، فمثلاً هناك 60 آية قرآنية تكرر فيها قوله تعالى: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" مما يؤكد الارتباط الوثيق بين الإيمان والصلاح والإصلاح.

ولما كان تعريف الإيمان بأنه "اعتقادٌ بالجنان وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح والأركان" فإن مفهوم الصلاح والإصلاح يكون من ضمن مكونات مفهوم الإيمان، حيث الصلاح والإصلاح يشملان الاعتقادات والأقوال والأعمال القلبية كالنية الحسنة والمخلصة، وكذكر القلب لله عز وجل، وحب القلب الخير لكل الناس وشفقته على الفقراء والمساكين، ويشمل مفهوم الصلاح والإصلاح كذلك الأقوال الطيبة من تلاوة القرآن الكريم والنصيحة الصادقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله عز وجل، ويشمل مفهوم الصلاح والإصلاح الأعمال الطيبة من إقامة الصلاة والصيام وإعانة المحتاج ورد الظلم وعمارة الأرض وتعليم العلم، وهكذا.

وهذا الارتباط بين الإيمان والصلاح والإصلاح هو ارتباط دائم لا ينفصل، ولم يختص به نبي دون آخر في تاريخ البشرية، بل هو طبيعة دين الإسلام الذي جاء به كل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن وظيفة الدين، وخاصة دين الإسلام، إسعاد البشرية كما يتبين من تعريف الدين عند العلماء والذي هو: (وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات).

وهذه نماذج من تصريحات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالأمر بالإصلاح وطلبه:

فهذا موسى يوصي أخاه هارون عليهما الصلاة والسلام فيقول له: "وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين" (الأعراف: 142).

وهذا سليمان عليه الصلاة والسلام بعد أن سمع حديث النملة تبسّم ضاحكًا من قولها ودعا ربه قائلاً:  "رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" (النمل: 19).

وهذا شعيب عليه الصلاة والسلام يلخّص دعوته ونبوّته لقومه مدين فيخاطبهم بقوله: "إنْ أريدُ إلا الإصلاح ما استطعت" (هود: 88)، ويشرح لهم مَطالبه فيقول: "يا قومِ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بيّنة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين" (الأعراف: 85).

ومما يوضح ارتباط الصلاح والإصلاح بالإيمان بالله عز وجل وأنه مكوّن من مكوناته تأمل مفهوم الإحسان في الإسلام الذي هو أعلى مراتب الدين الثلاثة كما في حديث جبريل الطويل والمشهور: الإسلام، الإيمان، الإحسان.

فمِن أجمل ما قيل في معنى الإحسان وشموله قول الشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابه (بهجة قلوب الأبرار): الإحسان نوعان: إحسان في عبادة الخالق، بأن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، وإحسان في حقوق الخلْق يشمل جميع نوع الإنسان.

واعلم أن الإحسان المأمور به للخَلْق نوعان: أحدهما: واجب، وهو الإنصاف، والقيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجه عليك من الحقوق. والثاني: إحسان مستحب. وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، أو توجيهٍ لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان. وكل ما أزال عنهم ما يكرهون، ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير، فهو صدقة وإحسان. فالإحسان: هو بذل جميع المنافع من أي نوع كان، لأي مخلوق يكون" بتصرف واختصار.

حين ندرك حقيقة ارتباط الإيمان بالصلاح والإصلاح وأنهما مكون من مكونات الإيمان نفهم بعمق لماذا للتدين الإسلامى الصحيح أثر بارز وبالغ على حياة البشرية فيقلب أحوالها بسرعة خارقة وبجهد محدود ودون حاجة لميزانيات طائلة أو مراقبة وتفتيش لصيق.

ونفهم أيضا كيف يعمل الدين والإسلام على إصلاح واقع الناس بيُسر، فالصلاة تدعو للنظافة والطهارة، والصيام يدعو للصحة والتكافل، والزكاة تدعو لمساعدة المحتاج، والجهاد يدافع عن المظلوم، والبرّ فيه نفعٌ الناس وإسعادهم، والتوحيد والقرآن يدعوان للعلم والتعقل والعدل والأخلاق الفاضلة وعمارة الكون، وبهذه المنظومة المتكاملة والجميلة والمحقة تلتقي الفطرة الإنسانية مع الإيمان بالله عز وجل المتضمن للصلاح والإصلاح فيتحقق للناس السعادة والفلاح في الدارين الدنيا والآخرة.

من هنا يتبين لنا مركزية وأولوية إصلاح حالة انحراف التدين بكافة مستوياته من الإفراط والتفريط، أو التحريف والتبديل، وأنها أساس حلّ أزمتنا الراهنة.