أسباب قضية ظلم المرأة الأوربية (1)

الرابط المختصر

انفجرت في هذا العصر قضية تحرير المرأة وتاجر بها كثير من الشخصيات والهيئات المحلية والدولية بدعوى الرقي والتحضر أو إرساء المساواة والعدل! برغم أن دعاة تحرير المرأة هم مَن يؤمنون بحيوانية أصل المرأة والرجل ويطالبون بشيوع ما بعد السلوك الحيواني الجنسي بتقبل الشذوذ الجنسي بكل صوره القبيحة وإقراره كمنهاج للحياة التقدمية! وفي نفس الوقت هم أنصار كل الظالمين والمعتدين على أرواح الناس وأوطانهم، سواء كانوا طغاة محليين أبادوا شعوبهم أو استنصر بهم الطغاة لمعاونتهم في ذلك كما في حالة سوريا حيث تشارك بشار وبوتين في تلك الجريمة.

وبرغم أن قضية تحرير المرأة في حقيقتها هي قضية تخص المرأة الأوربية وجرى تعميمها على كل نساء العالم ظلماً وعدواناً، وبرغم أن هذه القضية محقة في أصلها، فقد كانت المرأة الأوربية تحت ظلم كبير، إلا أن دعوات تحرير المرأة ومناصرتها لم تُنتج إلا تبديل ظلم بظلم أو زيادة الظلم عليها لكن بأشكال جديدة!

وقدر الله عزو جل لي أن أطالع قبل مدة قريبة أحد منشورات مكتبة الأسرة  لعام 2019 والتي تصدرها وزارة الثقافة الأردنية وهو بعنوان "مباهج الفلسفة" للفيلسوف والمؤرخ الأمريكي المشهور ول ديورانت، وكتابه هذا قديم يعود لثلاثينيات القرن الماضي، فوجدته يشير في مواضع متفرقة لأسباب قضية المرأة في أوربا والنتائج الوخيمة التي نتجت عنها والمتوقع ظهورها بعد مدة، والعجيب أن كلامه القديم هذا يكاد يلخص واقع الحال اليوم دون أن يستفيد منه أحد!

لذلك جمعت متفرقات كلامه ورتبتها بشكل نقاط ليتبين وجود أربعة أسباب لمشكلة المرأة في أوربا وهي:

1- النظرة الدونية الظالمة والمعتدية للمرأة من عهد الإغريق واليونان ثم تسرب ذلك لليهودية والمسيحية ومن بعد لفلاسفة التنوير والحداثة!

2- انحراف مفهوم الزواج وتطبيقه بشكل مختل ومجحف بحق المرأة في أوربا.

3- الثورة الصناعية وظهور الرأسمالية التي استغلت المرأة بدعوى تحريرها، وهي في الحقيقة تراكم ثرواتها وتصفي حساباتها مع احتجاجات العمال الرجال!

4- الحرب العالمية الأولى التي أفنت ملايين الرجال وغيّرت تركيبة المجتمعات الأوربية.

وواضح أن هذه كلها أسباب تتعلق بحالة المرأة في أوربا، فبأي حق يراد تعميمها على نساء كوكب الأرض؟

وسوف أجعل كلام ول ديورانت الأصل وقد أضيف له بعض التوضيحات من مصادر أخرى ومن ثم أقارن ذلك بحال المرأة في الإسلام بما يبرهن على أن هذه هي قضية للمرأة الأوربية وليست قضية للمرأة المسلمة أو المرأة في العالم.

السبب الأول: النظرة الدونية الظالمة والمعتدية للمرأة من عهد الإغريق واليونان ثم تسرب ذلك لليهودية والمسيحية ومن بعد لفلاسفة التنوير والحداثة!

يقول ول ديورانت في كتابه "مباهج الفلسفة" عن نظرة الفيلسوف اليوناني أرسطو للمرأة ومعلوم تأثيره الواسع عبر التاريخ: "أرسطو كان أكثر موافقة لميول عصره فوضع المرأة في مرتبة متأخرة النمو وفسر وجودها على أنها إخفاق الطبيعة في أن تنتج رجلاً" (1/199).

وهذه النظرة الظالمة للمرأة لم تقتصر على أرسطو بل حتى أفلاطون كان مثله، ففي كتابه الجمهورية في محاورة القوانين يجعل مرتبة المرأة مع الأطفال والحيوانات وضعاف العقول والمرضى والمخبولين! ويفصل أفلاطون نظرته للرجل والمرأة في محاورته مع طيماوس بقوله: "الطبيعة البشرية صنفان: الجنس الأعلى وسوف يسمى من الآن فصاعداً باسم الرجال، فلم يكن الخلق الأصلي يتألف إلا من الرجال، أولئك الذين استطاعوا قهر شهواتهم وأصبحوا فضلاء على الأرض، وسوف يسمح لهم بالعودة إلى سعادة النجوم التي أتوا منها، أما بالنسبة لأولئك الذين فشلوا على الأرض والجبناء والأشرار فسوف يعاقبون بأن يولدوا من جديد نساء". وهذا الهراء لا يحتاج إلى تعليق لبيان ما فيه من جهل وظلم، ولكن هذا الهراء هو الذي شكل الحضارة الأوربية وسيطر عليها لقرون طويلة!

وقد تسرب هذا الهراء من الظلم والنظرة الدونية لليهودية والمسيحية، يقول ول ديورانت: "وتلك كانت نظرة يهوه Jehovah الذي جمع الأزواج والأمهات مع الماشية والأملاك الثابتة في آخر الوصايا العشر التي يقال إنه أنزلها على موسى" ويقول عن حال من رزق بصبي "فخورا بالآية التي كانت عهد يهوه عليه، فكان يردد بانتظام في صلاته: "أشكرك يا رب لأنك لم تخلقني كافراً ولا امرأة" (1/200).

وبسبب هذه النصوص المحرفة والمدسوسة في العهد القديم والجديد عقد في القرن الخامس الميلادى مؤتمر كنسي للبحث حول المرأة وهل لها روح أصلاً تنجيها من عذاب جهنم؟ وكان الإجماع على النفي وأنها جسد لا روح له!! وكل هذا ساهم في استمرار ظلم المرأة الأوربية والتعامل معها بدونية واحتقار لقرون طويلة.

وبعد ذلك بقي احتقار المرأة الأوربية حاضراً لدى فلاسفة التنوير والحداثة، يقول ول ديورانت: "وظلت هذه الآراء سارية في هذا القرن، فمن منا اجتاز الأربعين ولا يذكر الرسالة العنيفة التي أثبت فيها أتوفايننجر أن المرأة لا روح لها؟ ومن منا نحن الرجال لم يستمتع بقراءة كتاب شوبنهور "مقال عن النساء" حيث يقول: "هذا الجنس القميء، ضيق الكتفين عريض الحقوين قصير الرجلين"؟ ألم تملأنا نشوة التفوق حين نصحَنا نيتشه قائلا: "إذا أقبلت على المرأة فلا تنسَ أن تحمل سوطك"" (1/201).

وكذلك كانت نظرة أبي الفلسفة الغربية الحديثة ديكارت والذي قامت فلسفته على ثنائية العقل والمادة، ثم ربط ذلك بالجسد فجعل العقل مرتبطا بالذكر والمادة مرتبطة بالأنثى، مما جعل المرأة تمثل الجسد والتفكير اللاعقلاني!

وعلى نفس المنوال سار الفيلسوف الألماني كانط -رائد التنوير الحديث- والذي يعتقد أن الخوف والجبن المنسوج في شخصية المرأة يجعلها لا تصلح لإنتاج فكر عقلاني تنويري موضوعي كالرجل!

وكذلك جاك جاك روسو واضع أسس الثورة الفرنسية والداعي للمساواة فقد كان يرسخ في مؤلفاته احتقار المرأة وأنها ذات طبيعة تعجز عن التعلم والتفكير وأنه لا بد لها من نظام تربوي صارم تخضع فيه جسدياً وعقلياً للرجل!  

هذه هي حقيقة النظرة الأوربية الدونية والظالمة للمرأة عبر العصور وبرغم اختلاف الأفكار والفلسفات، وهي مشكلة أوربية وليست مشكلة عالمية أو إسلامية فلماذا يسعون لفرض ترهاتهم علينا وعلى العالم؟

لقد أقر الإسلام منذ أول لحظة بأن الرجل والمرأة خُلقا مكرمين ومن نفس واحدة "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها" (النساء: 1)، "ولقد كرّمنا بنى آدم" (الإسراء: 70)، ومن هنا تشكلت الثقافة الإسلامية التي تحترم المرأة أما وأختا وزوجة وبنتا.

وفي حين كانت المرأة محتقرة منبوذة لا تصلح للعلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل للنساء موعدا خاصا يعلمهن فيه الدين كما روى البخاري ومسلم، وهذا الموعد خاص بهن وإلا فقد كان النساء يشهدن خطبة الجمعة والعيدين مع الرجال.

وكانت أمهات المؤمنين مرجعا تعليميا لكثير من الرجال، وقد حفلت كتب السنة بذكر أسئلة الصحابة والتابعين لهن عن الأحكام الشرعية وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم.

بل كانت المرأة في الإسلام تساهم في الشأن العام وتقدم المشورة والنصيحة كما فعلت أم المؤمنين أم سلمة يوم صلح الحديبية، حين أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم بين الناس فيحلق ويذبح هديه للكعبة حتى يقتدي المسلمون، وفعلا لما نفذ مشورة أم سلمة بادر الصحابة لتنفيذ طلبه عليه الصلاة والسلام.

وأقر الإسلام حق المرأة في أن تجير وتحمي من استجار بها ولو كان مشركاً، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ" متفق عليه.

وأقر الإسلام بحق المرأة في تملك المال والأعيان والتجارة ولذلك جعل لها نصيبا في الميراث وجعل لها المهر، وأنه لا يجوز الاعتداء على ممتلكاتها، لا من أبيها ولا أخيها ولا زوجها.

حين نتبين هذا الفارق العظيم بين واقع المرأة المسلمة وواقع المرأة الأوربية ندرك أحقية المرأة الأوربية في الثورة والمطالبة بالحرية، خاصة حين احتكت نساء أوربا بنساء المسلمين في الأندلس وعبر الحروب الصليبية، وللحديث صلة.