كيف نسعد بالقرآن الكريم ؟

الرابط المختصر

إن القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل الذي أنزله على خليله ومصطفاه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر من شهر رمضان ليكون هادياً للعالمين إلى طريق السعادة "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس" (البقرة: 185)، وقال سبحانه وتعالى عن القرآن العظيم: "إن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم" (الإسراء: 9).

وهداية القرآن الكريم للبشرية لطريق السعادة تضم نوعين من الهداية هما: الأولى هداية الناس جميعاً للصواب والحق في العقائد والأفكار والمفاهيم والشعائر والعبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق، والتي متى التزمها الناس نعموا بالأمن والإيمان والإستقرار وسلوكوا سبيل العلم والخلق القويم وتجنبوا متاهات الجهل والضلالة والخرافة والمنكرات وسيء الأخلاق، قال جل في علاه: "آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد" (إبراهيم: 1)، وقد جربت البشرية الالتزام بأحكام القرآن العظيم وهدايته فأشرقت على البشرية حضارة السلام والإيمان والرقي والعلم والرحمة والأمن والتي أشادها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بما حصلوه من الهداية الخاصة وما طبقوه من الهداية العامة.

والهداية الثانية لطريق السعادة هي هداية خاصة بمن آمن بالقرآن الكريم وحرص على تلاوته وتدبره والعمل بأحكامه وجعل ذلك شغله الشاغل، فإنه بقدر ما ينشغل بالقرآن الكريم تلاوة وفهماً وتدبراً وعملاً به كلما زادت سعادته به وأشرقت روحه بأنواره وهداياته قال الله تعالى: "وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه" (النحل: 92)، وقال تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب" (ص: 29).

ونحن في شهر رمضان شهر القرآن الكريم حيث يقبل المسلمين والمسلمات من كافة الشرائح والتوجهات للعيش مع القرآن الكريم بتلاوته واستماعه وصلاة القيام لما يؤمنون به من عظمة القرآن الكريم وشرفه وشرف من يتعلق به.

ومن هنا فإن العاقل والفطن هو من يحرص على أن يتزود أكثر وأكثر من هداية القرآن العظيم وأن يصبح من أهل القرآن في سائر الشهور والأعوام لأنه يدرك أن الإنشغال بكلام الله عز وجل هو أجل ما يشغل العبد به نفسه في هذه الحياة الدنيا "وهذا كتاب أنزلناه مباركاً فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" (الأنعام: 155).

وإذا تسائلنا عن الكيفية المثالية للدخول لعالم السعادة القرآنية فإن ذلك سهل ميسور لكل صادق في رغبته وجاد في سعيه "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر" (القمر: 17).

وأول خطوة لدخول عالم السعادة القرآنية عدم الإكتفاء بالتلاوة المجردة والتي يغيب فيها الذهن فلا يدرى القارئ ماذا قرأ! والحرص على القراءة الواعية من خلال استجماع الذهن والفكر والتركيز أثناء التلاوة لفهم المراد من كلام الله عز وجل.

ولما كانت لغة القرآن العظيم هي اللغة العربية "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" (يوسف:2)، فإننا بحاجة لفهم اللغة العربية ولغة القرآن الكريم، لأننا مع الأسف أصبحنا غالباً - بسبب المؤامرة اللغة العربية - غرباء عنها لا نفهم كثير من مفرادت القرآن ولا تركيباته البلاغية!

من هنا فإن الخطوة الثانية هي تحسين معرفتنا باللغة العربية والحرص على قراءة كتب التفسير حتى نفهم المعنى لآيات القرآن الكريم وندرك مقاصد الرب الجليل في كتابه المحفوظ.

فإذا جمع الموفق الحرص والتركيز على فهم القرآن حال التلاوة وواصل القراءة في كتب التفسير البسيطة والمتوسطة والمطولة حتى يستحضر معانى الآيات وما احتوته من أحكام وتوجيهات وما قررته من عقائد ومفاهيم فإنه يكون قد دخل بداية طريق الهداية والسعادة القرآنية، فهو الآن منتبه أنه يقرأ كلام الرب العظيم وليس أي كلام، وهو أيضا يفهم المراد والمعنى وليس مجرد تلاوة خالية من الروح والمغزى.

وهنا تأتي الخطوة الثالثة وهي الاهتمام بما يخص القرآن الكريم من علوم ومعارف فيحرص على مطالعة الدراسات القرآنية مثل صحيح أسباب النزول أو قصص القرآن وما فيها من عبر أو الدراسات التي تتعلق بمفهوم من مفاهيم القرآن والتي هي أقرب للتفسير الموضوعي حيث تجمع كل الآيات المتعلقة بالموضوع وتدرسه بشكل متكامل، وأيضا لا غنى عن مشاهدة وسماع دروس ومحاضرات أهل العلم في التفسير وما يتعلق بعلوم القرآن الكريم.

وفي هذه الخطوة يتبين للموفق والجاد أشكال جديدة من عظمة القرآن الكريم إذ تتبين له مدى دقة القرآن الكريم في التعامل مع جزئيات المواضيع وأنه يقسم الحالة أو الظاهرة لعدة أجزاء ومراحل، ويتبين له أن القرآن العظيم يعالجها بشمولية بما يناسبها، ويبدأ يتدرب على مراعاة الفروق والتباينات في تعامل القرآن مع الأحداث والشخصيات وهو ما يعرف في علوم القرآن الكريم بالأشباه والنظائر والفروق، وهناك منافع أخرى كثيرة من وراء هذه الخطوة.

ويجمع مع هذه دراسة مراحل جمع القرآن الكريم ليدرك حقيقة حفظ الوحي الرباني الخاتم للبشرية "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر: 9)، ويطالع بعض الدراسات المقارنة بين سلامة الوحي القرآنى والكتب الأخرى التي طالها التحريف والتبديل، فعندها يكون يقينه وإيمانه مدعم بالدليل والفهم ولا تؤثر فيه شبهات المغرضين وما أكثرهم في عصرنا.

ومن قطع الشوط مع هذه الخطوات الثلاثة فإنه يكون على موعد للدخول إلى عالم الآيات القرآنية والبدء في مزج هذه المعارف السابقة من التفسير واللغة والدراسات وتوجيهات العلماء حين تمر عليه هذه الآيات سواء في تلاوته للقرآن العظيم أو حين يستمع لها في صلاة القيام أو من تلاوة حبر من أحبار القرآن، وعندها يشعر المؤمن والمؤمنة أنه يغوص مع الآية ويستشعر بها ويفهم من مرادها أشياء لم يسبق له أن فهمها، وهنا يرسخ الإيمان ويستنير القلب بهداية القرآن الكريم ويشرق بحكمته على هذه الروح المؤمنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن المعلوم أنه في تفاصيل آيات القرآن من العلم والإيمان ما يتفاضل الناس فيه تفاضلاً لا ينضبط لنا، والقرآن الذي يقرأه الناس بالليل والنهار يتفاضلون في فهمه تفاضلاً عظيماً، وقد رفع الله بعض الناس على بعض درجات"، وقال أيضاً: "والقرآن مورد يرده الخلق كلهم، وكل ينال منه على مقدار ما قسم الله له"، وذلك أن القرآن الكريم يقوم على تقديم الأمثال والنماذج التي يمكن تنزيلها على ما يوافقها من أمثلة ونماذج معاصرة "وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون: (الحشر: 21).

وهذه الخطوات الثلاث تحتاج صبر ومصابرة وجد واجتهاد، وقد نقل عن ابن عمر رضي الله عنه أنه مكث في تعلم سورة البقرة أربع سنوات وقيل ثمان سنوات! فلا تستعجل ولا تستبطئ الطريق، ومما يشبه ذلك ما نقل عن بعض السلف قولهم: "جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، ثم تلذذت به عشرين سنة".

ولنستحضر مقدار الأجور العظيمة، فكل تلاوة واعية لها أجر عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف،ولام حرف، وميم حرف" رواه الترمذي وصححه الألباني، ومطالعة التفسير والدراسات القرآنية فيها أجور عظيمة وهي من خير أعمال البر ومن خير العلوم التي تضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم فيها.

فما أسعد المؤمن بالقرآن الكريم عقائده وأحكامه هداية وسعادة، وتلاوته أجر وثواب، ودراسته كرامة وشرف، وثمرة ذلك إشراق الروح والسعادة بالهداية الربانية، ونكون على درب إعادة إسعاد البشرية بهداية القرآن كما فعل أجدادنا من الصحابة الكرام.