لا تكن إسفنجة!

الرابط المختصر

أصل هذا التحذير كلمة جليلة لشيخ الإسلام ابن تيمية نقلها لنا الإمام ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" حيث أوصاه شيخه أبو العباس ابن تيمية بها حين قام ابن القيم بطرح وإيراد شبهات على شيخه فقال له ابن تيمية: "لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها؛ فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات".

واليوم في واقعنا المعاصر تحوّل قطاع كبير من الناس لكائنات إسفنجية تسير في الطرقات، إذ تشرب قلبها وعقلها الكثير من الشبهات والشهوات والشائعات والدعايات مهما كانت باطلة وفاحشة وضالة، والتي تُصب عليها صباً عبر الفضاء الإعلامي وموجات الاتصالات، ولا تكتفي بتشرب كل ذلك، بل تراها أيضا تقطر بما تشربت به من هذه القاذورات والأكاذيب والأباطيل والعفونة!!

والعاقل هو من يعي المناخ الذي يعيش فيه، فنحن نعيش في زمن غربة للدين تكثر فيه الشبهات والشهوات وتروج فيه الشائعات وتبث فيه الدعايات المضللة بغزارة، وليس هذا بشيء جديد لكنه يتميز في هذا الزمن بالغزارة والتركيز وتعدد المصادر واتساع المساحة التي تتعرض لكل هذه الفتن والمحن بسبب تسارع الزمان وتقارب الأماكن لسهولة التواصل وانعدام الحواجز.

وتسلط أهل الأهواء والضلال على المسلمين ببثّ الشبهات قديم جداً، ولهم في ذلك أساليب منحرفة تناقض العلم والعدل لكنها تتناسب مع مقصدهم الخبيث، وقد سجل تفاصيل ذلك ببراعة الجاحظ -فيما ينسب له- بقوله: "يتبعون المتناقض من أحاديثنا، والضعيف بالإسناد من روايتنا، والمتشابه من آي كتابنا، ثم يخلون بضعفائنا، ويسألون عنها عوامنا، مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين، والزنادقة الملاعين، وحتى مع ذلك ربما تبرؤوا إلى علمائنا، وأهل الأقدار منا، ويشغبون على القوي، ويلبّسون على الضعيف"، فهذه هي منهجية بث الشبهات منذ مئات السنين، التفتيش عن المتشابهات والروايات الضعيفة وضرب الضعفاء والجهلاء بها حتى تضطرب نفوسهم وتتشكك عقولهم وتزلّ قلوبهم.

وغالب الشبهات المثارة اليوم هي نفس الشبهات التي أبطلها العلماء قديماً، وبيّنوا عوارها وباطلها، بل إن غالب الشبهات اليوم هي نفس الشبهات التي بثها إبليس وأعوانه طيلة تاريخ البشرية بين البشر!

والوقاية من الشبهات تكون بالتحصن بإيمان صحيح قائم على التصديق والاستدلال البرهاني عبر التعلم "فاعْلم أنه لا إله إلاّ الله" (محمد: 19)، ومن عظيم فقه الإمام البخاري أنه فسّر هذه الآية بقوله في صحيحه: باب العلم قبل القول والعمل، فجعل العلم هو الأساس.

فمَن حرص على أن يكون إيمانه يقينياً بالعلم والتعلم وليس عاطفياً، فإنه يتمكن من تجنب الشبهات وأن يكون قلبه كالزجاج تمر منه الشبهات كالضوء لكنها لا تستقر فيه، وإذا أشكل عليه شيء من الشبهات التي تثار حول المتشابهات فإنه يستخدم الدواء الرباني: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (النحل: 43)، ولا ينزلق لطريقة أهل الأهواء "هو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأُخَر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة" (آل عمران: 7).

فيجب عل كل مسلم أن يكون عنده يقين بسلامة وصحة وصواب دينه واعتقاده وعباداته وأحكام الشريعة، وإذا أشكل عليه شيء فلا يتزعزع، بل يسأل ويبحث، وكم هو غريب وعجيب أن هؤلاء المتشكّكين والإسفنجيين يضيعون الساعات الطويلة في العالم الأزرق وشبكات التواصل، ثم إذا ما جاءتهم شبهة فإنهم يعجزون عن سؤال العم جوجل عن حقيقة هذه الشبهة والرد عليها فيوفر على نفسه وأهله وأمته رحلة واسعة في التيه والضلال كان يمكنه تجنّبها بكبسة زر!

وفي هذا الزمن المليء بالشبهات والشهوات فإن كثرة العبادة والطاعة والحرص على الواجبات والسنن والآداب اليومية من الفرائض والسنن الرواتب والأوراد القرآنية والأوراد المخصوصة ومطلق الذكر من أهم الأسباب في تجنب تشرب الشبهات والشهوات والتحول لإسفنجة متحركة تنشر الضلال والفواحش والمنكرات بكلامها أو سلوكها.

ومن أفضل الوسائل في تجنب تشرب الشبهات والشهوات إقامة العوازل بين القلب والعقل ومصادر الشبهات والشهوات، فكما يحظر على الأصحاء دخول الأماكن الموبوءة التي تنتشر فيها الإشعاعات المؤذية خشية الإصابة أو نقل العدوى، فكذلك العاقل يتجنب الصحبة الضالة والمواقع المشبوهة والأفكار والشخصيات المريبة.

إن ألم الاعتزال والبعد عن رفاق السوء وموارد الشبهات والشهوات أقل بكثير من ألم المصائب التي تجلبها الصحبة الطالحة من إدمان الفواحش كالزنا والخمر والمخدرات أو ألم تبني الشبهات المتطرفة، سواء كانت بالإلحاد والأفكار المنحرفة والهدامة أو كانت بالتطرف والغلو، والوقاية أصل الصحة والسلامة، فلا تكن إسفنجة!  

ومما ينبغى تجنب تشربه كالإسفنجة الغبية في زمننا هذا الإشاعات السياسية والدعايات التجارية، فغالبها قائم على التضليل المتعمد لتمرير أجندات سياسية باطلة أو جني مكاسب مالية بغير وجه حق.

فمئات القنوات الإعلامية وآلاف المواقع الإخبارية ليس لها هدف سوى خداع الناس والكذب عليهم، والواقع شاهد على تساقط مئات الشائعات والكذبات السياسية يومياً دون اعتذار أو تأسف أو تغيير للنهج، وهذا أمر عام لا يستثني جهة سياسية دون أخرى، مع تباين في درجة الكذب واختلاق الشائعات، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً" متفق عليه.

وعلى نفس المنوال طوفان الدعايات التجارية التي تروج لأنماط من الحياة يرسمون لها ألوانا بهيجة وهي في حقيقتها أمراض فتاكة وأسباب لانحلال الصحة وزوال العافية أو فواحش منكرة وتجاوز لحدود الله عز وجل تجلب غضبه ونقمته بترويج الربا والزنا والشرك والظلم والترف والإسراف.

وحتى تتجنب أن تكون إسفنجة غبية تتلقى الشائعات السياسية والدعايات التجارية فتتشربها ثم تأخذ بنشرها وتعدي بها الأصحاء عبر تواصلك الشخصي المباشر أو عبر وسائط التواصل الإجتماعي، فعليك استخدام المنهج الرباني "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بِنبأ فتبيّنوا" (الحجرات: 6)، وغالب وسائل الإعلام اليوم فاسقة بما يصدر منها من كذب متعمد مرات ومرات فضلاً عمّا فيها من منكرات، فلا بد من التثبت قبل تشرب الإشاعات ونشرها كالإسفنجة الغبية.

وحتى تتجنب فخاخ الإعلانات التجارية لا تسارع لتشرب الإعلانات الجديدة ونشرها، وتثبّت منها واسأل عمّن جربها، وتأمل في ضرورة هذا المنتج لحياتك، وهل هو فقط منتج استهلاكي ثانوي يتلف ميزانيتك دون جدوى في هذا الوقت الصعب!

"لا تكن إسفنجة"، حكمة غالية في هذا الزمن الصعب، وما أصدق وصْف ابن القيم لمكانة هذه الوصية والنصيحة والحكمة التيمية حين قال عنها: "ما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك"، رحم الله شيخَيْ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية.