(8) عِبر من قصص الأنبياء - ب – صالح عليه السلام

الرابط المختصر
Image
(8) عِبر من قصص الأنبياء - ب – صالح عليه السلام

لقد كان من حجج ومبررات قوم ثمود لتكذيب رسولهم صالح، عليه السلام، أنه أمرهم بمخالفة عادات الآباء والأجداد الذين انحرفوا عن التوحيد للشرك، وعن الإيمان للكفر "أتنهانا أن نعبدَ ما يعبدُ آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب" (هود: 62) وهو منهج متكرر عن كفار الأمم عبر التاريخ، ولا تزال هذه الحجة، وهي اقتفاء نهج الآباء على الشر والباطل، هي مبرر كثير من الناس اليوم لرفض الحق والهدى والنور وشرائع الإسلام، إلا أن أهل زماننا زادوا في الطنبور نغمة نشاز، وهي أنهم يزوّرون نهج الآباء للباطل ثم يزعمون حرصهم على اتباعهم، ويتبدى ذلك في ادعاءات أنصار التبرج والفجور بأن الخمار والنقاب والحجاب لم تكن من أعراف المجتمعات المسلمة! وأنها عادة يهودية! وسلوك وافد! وكل ذلك لمحاربة العفة والحجاب والنقاب والخمار.
بينما الحقيقة بعكس ذلك تماماً، فالعري والتبرج والاختلاط وإسقاط الحشمة هي الوافدة على بلاد المسلمين، وكل الشهادات التاريخية للمؤرخين والرحالة والفنانين من المسلمين وغير المسلمين تثبت أن الحجاب والنقاب والخمار كانت السائدة في مجتمعات وبلاد المسلمين، وحتى بين غير المسلمين، بل وحتى في كثير من دول العالم غير المسلم، فإن الأفلام الوثائقية والصور القديمة النادرة تثبت أن الحجاب والحشمة والنقاب والخمار كانت سلوك النساء فيها قبل موجة العري والدعارة الحالية!!
وبينما كان مبرر قوم ثمود للكفر هو تقليد الآباء حتى وإن لم يكن موقف الآباء موقفا صحيحا يدعمه الحق والدليل، فإن موقف صالح عليه السلام -وكل الأنبياء والمؤمنين بالغيب ورسالات الأنبياء- كان يقوم على البينة والبرهان "قال يا قومِ أرأيتُم إن كنتُ على بيّنة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرُني من الله إن عصيتُه فما تزيدونني غير تخسير" (هود: 63)، فموقف الأنبياء وأتباعهم هو موقف يستند للدليل والحجة والبرهان، وهو في حقيقته موقف للتغيير الإيجابي وكسر العادات البالية والخروج من الصندوق المعتم للنور والضياء.
وقد وصف الله عز وجل تكذيب قوم ثمود لنبيّهم صالح، عليه السلام، بقوله تعالى: "كذبت ثمود المرسلين" (الشعراء: 141) برغم أنهم كذبوا صالحاً، عليه السلام، فقط، لكن لأن دعوة صالح هي دعوة كل الأنبياء من قبله ومن بعده، وهي الدعوة للتوحيد والإيمان بالله عز وجل وحده، لذلك فإن تكذيب أيّا منهم هو تكذيب لجميع المرسلين.
ويرتبط بهذا المسؤولية الجماعية المشتركة لكفار قوم ثمود برضاهم بقتل الناقة برغم تحذير صالح، عليه السلام، لهم "ولا تمسّوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم" (الشعراء: 156)، واليوم؛ فإن المسؤولية تطال الكثير من الناس والمؤسسات والدول ممن رضوا وشاركوا بقتل الأبرياء من المسلمين وغيرهم، والموفّق من عصمه الله من التورط في الدماء المعصومة، والذي هو نهج الأنبياء جميعاً، عليهم الصلاة والسلام.