قراءة في كتاب (محاربة التطرف ) لنتياهو

الرابط المختصر

هذه دراسة قديمة نشرت بتاريخ 2003/7/6 في موقع العصر رأيت من المفيد إعادة نشرها الآن بعد أحداث باريس في عام 2015 وما يتوقع أن يكون من تشديد وتضييق على حريات المسلمين، لنعرف جذور المشكلة
تمهيد
\n
لست من أنصار أن الدنيا مؤامرة, لكن الدنيا أيضاً لا تخلو من مؤامرات عديدة , والله عز وجل قد حذرنا في القرآن من وجود المنافقين بين أظهرنا في كل زمان ومكان وأن لهم تأثيراً على المؤمنين فقال الله تعالى : "وفيكم سماعون لهم " وكذلك حذرنا الله عز وجل من البطانة السيئة فقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا " .والدارس لمسيرة العمل الإسلامي السني يلحظ أنه في كثير من الأحيان يتم إبراز بعض الشخصيات من خلفيات أخرى بدعوى أنهم قد تبنوا منهج أهل السنة , أو لنقص عند أهل السنة يتم الإستعانة ببعض من لهم إسهامات في مجالات سياسية أو عسكرية فيصبغ كثير من مناشطها بصبغته دون شعور من أهل السنة. وأيضاً يجب أن ننتبه لمسألة دقيقة في تاريخنا الإسلامي وهي قضية عبد الله بن سبأ حيث من المعلوم والشائع أنه كان يهودياً يقول في يوشع بن نون وصي موسى , فلما دخل الإسلام قال في علي أنه وصي محمد عليه السلام ولذلك كان هذا هو أساس التشيع و هذا معروف مقرر لكن ما يغفل عنه الكثيرون هو دوره الهدام قبل هذه المرحلة ودوره في تشكيل الخوارج والثوار على عثمان ولذلك ورد اسم ابن سبأ عند المؤرخين منذ عام 30هـ وإظهاره القول بالوصاية وألوهية علي كان بعد خلافة علي عام 35هـ ، وهذه المرحلة من تاريخ ابن سبأ لا يسلط عليها الضوء كثيراً . وإذا أمكن ظهور ابن سباء في عصر الصحابة و قيامه بإفساد دولة الخلافة ، فما المانع من وجود أمثاله اليوم ؟ خاصة أن العقلاء والعلماء يجمعون تقريباً على خطأكثير مما يحصل وضرره بالدعوة الإسلامية والأمة كذلك .
\n
ولذلك أقدم هذه القراءة لكتاب نتنياهو( محاربة التطرف ) لأن كثيراً من مطالبه تحققت وهي مطالب تحقيقها يسبب لنا خسائر على صعيد الدعوة الإسلامية من تضييق على الدعاة في بلادهم وخارجها وإضراراً بالمؤسسات الإسلامية التعليمية والخدمية , وكذلك محاصرة المؤسسات المالية الإسلامية الخيرية أو الإقتصادية وضرب للحركات الجهادية ضد المحتل الكافر الأصلي في بلدانها واستعداء لشعوب وأنظمة محايدة تجاه الإسلام , وكل هذا يتم أحياناً بمبرر يصنعه بعض الأفراد منا! .
\n
 أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نتنياهو عام 1995 كتاباً مهماً لكن لم يلتف إليه كثير من الباحثين والدراسين - فيما أعلم-, سوى الكاتبة الأردنية حياة الحويك عطية التي نشرت عنه دراسة موجزة في صحيفة الدستور بعد صدوره , ثم عادت ونشرت عرضاً لمقدمة الطبعة الثانية التي صدرت بعد أحداث 11 أيلول في نفس الصحيفة بتاريخ 26 تشرين الثاني 2002 .والكتاب يقدم وجهة نظر إسرائيلية حول الإرهاب ويقدم خطة عمل لمقاومة الإرهاب , والغريب أن كثيرا ً من مطالبه قد تحققت لكن بعد أن قدم أعداؤه له الفرصة لذلك !. والكتاب ترجم للعربية عام 1997م وصدر في مصر عن دار قطر الندى وبيت الحكمة, وقدم له فهمي هويدي, ومكون من مقدمة وسبعة فصول تناول فيها المحاور التالية كما يلخصها هويدى :
\n
- أن إسرائيل ضحية للإرهاب العربي منذ الأربعينات !
\n
- أن الإرهاب الإسلامي يهدد العالم الآن, وهو وريث الشيوعية بل أخطر منها .
\n
- أن العداء للغرب متأصل في ثقافة المسلمين , ومن ثم فعدوهم الحقيقي هو الغرب عامة والولايات المتحدة بوجه خاص , التي وصفها بأنها " الهدف النهائي للمعركة " .
\n
- ما يفعله الفلسطينيون هو إرهاب لا مقاومة, والذين يساندونهم، إنما يساندون الإرهاب .
\n
- ينبغي أن تتكاتف جميع الدول لتصفية المقاومة الفلسطينية وخنقها , وإلا فإنها ستدفع ثمناً غالياً إن هي تقاعست في ذلك .
\n
ونلاحظ أن هذه الأفكار أصبحت اليوم هي السائدة والتي كان نتنياهو حسب قوله قد بذل سنوات طوال للدعاية لها دون فائدة , لكن الأحداث التي وقعت في السنتين الماضيتين كانت كفيلة بتفعيل وتطبيق كل ذلك , أليس هذا غريبا! . يوضح نتنياهو في المقدمة أنه يقدم هذه الأفكار للنخبة الغربية وخصوصاً الأمريكية، منذ منتصف السبعينات. وكذلك ألف نتنياهوعام 1986 كتاباً عنوانه "الإرهاب كيف يمكن للغرب أن ينتصر"، وكان قد أسس معهدا ً للدراسات حول الإرهاب عام 1978 . والذي يريده نتنياهو هو صبغ أي عمل إسلامي بالإرهاب وخاصة في الدول الغربية، ولذلك يجب أن لا يُعطى المسلمون في الغرب الديمقراطية والحرية التي ستمكنهم من الإنتشار والتغلغل في مفاصل هذه الدول مما سيؤدى إلى زوال النفوذ اليهودي فيها تدريجيا ً، خاصة مع بداية ظهور الدور السياسي المنظم للعرب والمسلمين في هذه الدول .ولذلك نجده في الفصل الأول يهون من شأن الإرهاب الأمريكي المحلي،قائلا:" يمكن القضاء عليه خلال فترة قصيرة، فيمكن عزل كل واحدة من الجماعات المشاركة فيه والتسلل إلى صفوفها وتجريدها من سلاحها " .
\n
وفي هذا الفصل كذلك يقرر حقيقة لا يدركها من يقومون بكثير من الأعمال العنفية وهي أن " إنطباعات الخوف والرعب تضعف وتتلاشى تحت إنطباعات لا تقل عنها قوة وفي بعض الأحيان تكون أقوى منها وهي إنطباعات الإنكار والغضب من جانب المواطنين فالأساليب اللاإنسانية التي يتبعها الإرهابيون لتحقيق أهدافهم تتنافى بطبيعة ذاتها مع هذه الأهداف من البداية بإعتبارها غير جديرة بالتأييد الأخلاقي ".
\n
أما في فصله الثاني الذي سماه حريات المواطن فهو ينتقد الحريات الغربية ويطالب بإلغاء الكثير منها، وأن هذه الحريات ستكون سببا  لتفريخ الإرهاب هناك، لكن هذه المطالب لم تنل آذانا ًصاغية من السلطات الغربية إلا عقب أحداث 11 أيلول حيث ظهر لها صدق نتنياهو كما زعم في مقدمة الطبعة الجديدة!! .
\n
وفي الفصل الثالث يبرز الدور الروسي في دعم إرهاب منظمة التحرير الفلسطينية ضد الديمقراطية الغربية، وهذا فيه خلط فالمنظمة ليست هي من قامت بالعديد من العمليات ضد المصالح الغربية آنذاك، وأيضاً هل ما تحقق من هذه العمليات المدعومة روسياً كان في مصلحة القضية الفلسطينية أم إسرائيل ؟! وهل سير بعض التنظيمات الإسلامية على هذا الطريق سيكون له نتائج مختلفة ؟!. كما يسلط الضوء على مسألتين مهمتين، الأولى إنكشاف الدور الروسي في دعم الإرهاب وانتهاج الغرب استراتيجية واضحة تجاه روسيا في ذلك مما نتج عنه تخلي الروس ( الشيوعية ) عن هذا المسار منذ منتصف الثمانينات.
\n
ولي تعليق على هذه القضية المهمة حيث يجب أن نبين ان الشيوعية (روسيا وأتباعها من الأنظمة العربية والمنظمات والأحزاب) قد تخلت بشكل كبير فعلا ًعن هذا المسار لكن استلم الراية في هذه الفترة إيران والشيعة في الدول العربية وأصبحت هذه الأعمال في الثمانينات ذات طابع شيعي! ثم تخلوا عنها في بداية التسعينات و لذلك تم اغتيال عباس الموسوي رئيس حزب الله لفتح المجال لقيادات تواكب المرحلة! الطفيلي الذي همش ومن بعده نصر الله، و نصر الله الأن في آخر أيامه حيث لا يصلح للمرحلة الحالية لحية و عمامه! وحمل الراية في التسعينات بعض أفراد أهل السنة ؟! .
\n
والمسألة الثانية : أن السبيل لتصفية الإرهاب الدولي يكمن في وقوف الولايات المتحدة في مقدمة الصراع , وأن تجر هذه القيادة الأمريكية من ورائها دول العالم الحر، كما يجر قطار قوي وراءه حافلات القطار.
\n
وهنا أقول أليس هذا ما تم وجرى بعد 11 أيلول !
\n
أما الفصل الرابع فخصصه لظهور الإسلام المسلح وبروزه :
\n
وهنا يقرر أن القوى الجديدة المهمة جداً التي تحفز الإرهاب الدولي وتدفعه دفعاً في التسعينات هي جمهورية إيران والحركات السنية الإسلامية المسلحة التي ترتدى زياً دوليا و لم تعد محصورة في بلد!! ( ولعل هذا يفسر لنا لجوء القاعدة لإيران إن صحت الأخبار).
\n
ويحذر من " جيتوات " إسلامية كبيرة توجد في أمريكا وأوروبا حالياً , يتسلل إليها الإرهاب الإسلامي , ويحاول أن يصورها بمعسكرات تدريب لا بد من الإنتباه لها وتقويضها مبكراً.
\n
وقد قامت الأحداث الأخيرة في الرياض والدار البيضاء وإشتراك مسلمي بريطانيا في عمليات داخل فلسطين بتأكيد هذه القناعات عند الغرب فهل هذا ما يريده أصحابها ؟! .
\n
وفي الباب الخامس يبين فيه رؤيته للقضية الفلسطينية ومسيرة السلام ويمكن أن نجمله على النحو التالي :
\n
1- أكبر دعم للإرهاب الإسلامي منذ الثورة الإيرانية هو قيام الحكم الذاتي في غزة !! .
\n
2- بعد حرب 67 أصبح هناك نظريتان عند الدول العربية تجاه إسرائيل هي :
\n
أ- بما أنه ليس هناك قدرة عسكرية عربية على هزيمة إسرائيل فلا بد من التعايش معها , ودعمت إسرائيل هذا التوجه حتى عام 1992 .
\n
ب- أنه ليس ممكناً الآن هزيمة إسرائيل لكن الأنسب تجاهها هو إبعادها إلى حدودها السابقة (67) الغير قابلة للذود عنها وحمايتها، ثم محاولة تدميرها.
\n
وهذه العودة لحدود (67) تتم بمزيج من الهجمات الإرهابية وضغوط عربية ديبلوماسية على الغرب.
\n
وكان هذا نهج منظمة التحرير منذ عام (74) حتى تحقق بإتفاقية أوسلو.
\n
3- ثم يسرد خيانات عرفات لإتفاقيات أوسلو وكيف أفرغها من محتواها، و الملفت للنظر أنه يتحدث بنبرة عالية من الحقد والكراهية لشخصيةعرفات! .
\n
4- يشرح الفرق بين موقف منظمة التحرير وحماس من إسرائيل بالتالي: أن لهما هدفا استراتيجيا مشتركا هو تدمير إسرائيل إلا أنها مختلفتان في أسلوب تحقيق هذا الهدف فحماس تريده بضربة واحدة، وفتح ترى أنه على عدة ضربات!.
\n
والتوصيات التي ينادي بها هي أنه يجب عزل عرفات وتحجيم صلاحياته الأمنية والتعاون مع الفلسطينيين العملاء وليس مهما إعطاء الفلسطينيين مساحة كبيرة لأنها ستكون بؤرة لتصدير الإرهاب للعالم !!.
\n
وفي الباب السادس الذي عنونه بـ ( شبح الإرهاب النووي )
\n
وهدف منه إلى تحذير الغرب من خطر وصول إيران أو الحركات السنية إلى السلاح النووي أو البيلوجي أو الكيماوي . وسبب شدة الخطورة من وصول المسلمين تحديداً لهذا السلاح أنهم غير عقلانيين ! بعكس القوى الشريرة السابقة في العالم ( الشيوعية ). حيث يصف " الأرهاب" الأسلامى بأنه يعمل من أجل ( هدف غير منطقي بصورة غير منطقية )، وهنا يجب أن نلاحظ أنه فعلاً هناك بعض الأعمال التي تنسب لحركات إسلامية هي غير منطقية ولا شرعية عند كل العقلاء فهل يا ترى من فعلها جاهل؟ أم مغرر به؟ أم مدسوس؟ والذي يجعلني لا أقول جهات أجنبية هو تصريح هذه الجهات بتبني الأمر ؟!.
\n
ويختم كتابه بفصل "ما ينبغي عمله". ويعيد القول أنه لفهم ظاهرة الإرهاب العالمي لا بد من فهم نوعية هذا التهديد وطابعه ( الإسلامي ) ثم معرفة أنه يمكن القضاء عليه !.
\n
ولذلك يركز على التضاد بين الإسلام والديمقراطية الغربية، ليكون هو وقومه الفائزين من هذا الصراع.
\n
ويرى أنه يجب أن يكون هناك عدة إجراءات على المستوى المحلي والعالمي وهي :
\n
1- على المستوى العالمي :
\n
                  1- فرض عقوبات على موردي التقنية النووية للدول الإرهابية وهذا يتطلب تغيير بعض القوانين التجارية
\n
                     والحد من حريتها.
\n
                  2- فرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية على الدول الإرهابية ذاتها.
\n
                  3- تجميد الجيوب الإرهابية.
\n
                  4- تجميد ثروات الدول الإرهابية .
\n
                  5- تعاون استخباراتي .
\n
                  6- إدخال تغييرات على القوانين والتشريعات تمكن من مقاومة الإرهاب في الدول الديمقراطية!
\n
ومن ذلك :
\n
          أ- اعتبار جمع الأموال وتحويلها لمنظمات إرهابية خروجا على القانون .
\n
         ب- السماح بالتحقيق مع الجماعات التي تنادي بالإرهاب حتى قبل قيامها بأي عمل .
\n
         ج- تبسيط شروط الإعتقال في حالات الإرهاب .
\n
         د- وضع قيود على حق الإحتفاظ بالسلاح .
\n
         هـ- تشديد قوانين الهجرة .
\n
         و- دراسة دورية للقوانين .
\n
        ي- مطاردة إيجابية للإرهابيين .
\n
        ح- عدم الإفراج عن الإرهابيين المسجونين .
\n
        ط- تدريب قوات خاصة لمكافحة الإرهاب .
\n
        ز- تعليم الشعب معارضة الإرهاب .
\n
وهكذا يريد نتنياهو أن يكافح الإرهاب من خلال وصم الإسلام كله بالإرهاب ثم العمل على ضرب كل مفاصل العمل الإسلامي وهذا ما نجح في تحقيقه بعد 11 أيلول!. ويبقى لنا وقفة أخيره مع المقدمة الجديدة للطبعة الثانية عام 2001 وهي كانت في الأصل خطاب ألقاه في الكونغرس الأمريكي بعد أسبوع من تفجيرات 11 أيلول وهذا التوقيت سيكون له دور في تفعيل هذه الأفكار اليهودية والذي ركز فيها على النقاط التالية :
\n
1- ليس هناك إرهاب دولي بدون دعم دول، ولذلك زالت طالبان عن الخريطة وراح النظام العراقي إلى سجل التاريخ!.
\n
2- من هم الإرهابيون، إنهم إيران والعراق وسوريا وطالبان وسلطة عرفات والسودان وتتبعهم شبكة من التنظيمات التابعة لهم , بإختصار هم المسلمون!.
\n
3- سبب الإرهاب هو العداء للغرب!.
\n
4- لقد تلقينا إنذارا من جهنم (!) فهل سنوحد الصفوف للعمل ؟ و العمل المطلوب ما يلي :
\n
- لا بد من تفكيك الشبكة الإرهابية كلها.
\n
- يجب أن تسرى القوانين على كل الدول !.
\n
- ليس هناك أعمال إرهابية مبررة !.
\n
5- على الدول التي تريد أن تشارك في الحملة على الإرهاب أن تتخلى هي عنه مثل إيران وسوريا ....
\n
والخلاصة التي يصل إليها القارىء لكتاب نتنياهو أنه جعل من الأعمال التي تقوم بها بعض الحركات الإسلامية مبررا للقضاء على المقاومة الفلسطينية وجعل عرفات وحماس والجهاد وغيرهم إرهابيين لا بد من أن يقضى عليهم وقد نجح في كثير من مسعاه، وهذا يرجعنا للسؤال المهم، هل ما يقدم عليه كثير من التجمعات الإسلامية بهدف الجهاد هو في النهاية يصب في خدمة خطة العدو ؟!.