احذروا دعاة الضلال الخشن والناعم في الإعلام!

الرابط المختصر
Image
احذروا دعاة الضلال الخشن والناعم في الإعلام!

روى البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنَّه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدرِكني، فقلت: يا رسول الله، إنَّا كنَّا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَنٌ"، قلت: وما دَخَنُه؟ قال: "قومٌ يَهدُون بغير هَديِي، تعرِف منهم وتُنكِر"، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيها"، قلت: يا رسول الله، صِفْهُم لنا؟ قال: هم من جِلدَتِنا، ويتكلَّمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتَزِل تلك الفِرَق كلها، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يُدرِكَك الموت، وأنت على ذلك.
وفي سنن أبي داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة".
وفي مسند الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان".
هذه الأحاديث الثلاثة تكشف لنا حقيقة سيل الشبهات والضلالات التي يقذفها الإعلام اليوم عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبح كثير من شبهاتها مدار حديث الناس في المجالس، فقلما يخلو مجلس أو اجتماع من السؤال عن حقيقة كثير من المتحدثين على القنوات وعن مدى صحة ما يهرفون به على أسماع الناس، كما أن كثيرا من حوارات الناس تدور حول مدى صحة ما يتناقل من مقاطع ورسائل بينهم.
وبالتأمل في هذه الشبهات والضلالات وجدتُ أنها تنقسم من جهة المتحدث ومن جهة المضمون لنوعين: خشن وناعم، فبعض المتحدثين خشن في عباراته وطريقته، وبعضهم ناعم العبارة والأسلوب، بعضهم خشن الفكر يدعو للتطرف والغلو والعنف، وبعضهم أفكاره ناعمة تحمل راية التسامح والاعتدال لكنها ضلال مبين!
ومن هنا نجد أنفسنا أمام أربعة أنواع من الخطاب الإعلامي الضال والمشوه لحقيقة الإسلام وهي:
1- خطاب خشن العبارة والأسلوب وخشن الفكر بالغلو والتطرف: ومن أمثلته خطاب كثير من الدواعش والغلاة ومنهم أبو فراس السوري الذي اشتهر بسلاطة لسانه وجراته على تكفير الجميع، وكذلك تصريحات قادة الميلشيات الشيعية في العراق.
2- خطاب ناعم العبارة والأسلوب خشن الفكر بالغلو والتطرف: وهو ما يتجسد في رسائل الأكاديميين والمثقفين في تيار الغلو والتطرف ممن دراسته غير شرعية كأنور العولقي وأمثاله، فهو يستخدم آليات الحداثة وأساليبها في ترويج الغلو والتطرف.
3- خطاب ناعم الأفكار يسعى لتمييع الدين وتغييره لصالح العلمانية والحداثة الملحدة لكنه خشن العبارة وفج الأسلوب كما نشاهد ذلك على شاشات القنوات المصرية كإبراهيم عيسى.
4- خطاب ناعم الأفكار يدّعي العقلانية والمعرفة ناعم الأسلوب متقن لمهارات الإلقاء والتواصل، يجتهد في تحطيم الثوابت الإسلامية وتبديلها بحجج عاطفية تعتمد على خداع الجمهور كعدنان إبراهيم، أو كمقالات العلمانيين التي تتعلق بالإسلام وأحكامه وشعائره.
وتنوع خطابات الضلال سبب في انتشار الضلال بين شرائح متنوعة السن والخلفية الثقافية والاجتماعية والتوجهات الفكرية، ومن هنا وجب على العقلاء أن يتفحصوا التحذيرات النبوية من خطابات الضلال والتي تتلخص فيما يلي:
1- دعاة الضلال لا يلتزمون الهدي النبوي كاملاً، بل يخلطون الحق فيه بالباطل ولذلك يخدع البسطاء والسذج فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قومٌ يَهدُون بغير هَديِي، تعرِف منهم وتُنكِر".
2- الدور الحقيقي لهؤلاء بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم "دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيها"، ولو رفعوا شعارات إسلامية وقرآنية، فرفع داعش لكلمة التوحيد ورفع ملالي طهران لراية آل البيت ورفع الحداثيين لراية مقاصد الإسلام والشريعة، فكله خداع وتمويه على باب جهنم الذي يقودون الناس إليها.
3- بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم وصف دعاة الضلال هؤلاء فقال: "هم من جِلدَتِنا، ويتكلَّمون بألسنتنا"، وهذا حال منظري داعش كالعدناني، وقادة المليشيات الشيعية الطائفية كحسن نصر الله، والإعلاميين العلمانيين كإسلام البحيري، فهم عرب ويدّعون الإسلام ولكنهم يطعنون فيه بشكل خشن وناعم بحسب الأحوال والظروف.
4- كما أنهم من صغار السن وصغار العقل والفهم، يدّعون التدين وهم في ذلك كاذبون كما قال المصطفى عليه السلام: "قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم"، ومن دقق في أغاليطهم تبين له دقة وصف النبي صلى الله عليه وسلم لهم بقوله "سفهاء الأحلام"، فداعش التي ترفع شعار تحكيم الشريعة ترفض التحاكم للشريعة في مئات القضايا مع الفصائل الأخرى، وحزب الله الذي يدّعي المقاومة والممانعة يمعن في قتل الشعب السوري والفلسطيني ويتفرج على الطائرات الإسرائيلية تقصف في دمشق، والتنويريون كعدنان إبراهيم يتشدق بشعارات العقلانية والفهم في رفض السنة النبوية ومذاهب العلماء ثم يتبجح بكرامات خيالية مثل إشعال النور الكهربائي بدون تمديدات كهربائية!
5- ولكن مع أن هذه صفاتهم إلا أن لهم تأثيرا ضارا ونتائج وبيلة على المجتمع والناس، وذلك لأن عندهم سلاح خطير وهو فن الخطابة والتلاعب بالجماهير، ولذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان"، وقد جربت الأمة كوارث عدة تسبب بها أصحاب الحناجر العالية والمهارات الخطابية، فمن ينسى ضلالات المذيع المصري أحمد سعيد من إذاعة صوت العرب أيام جمال عبد الناصر حيث ضلل الجماهير بأكاذيبه، ومثله محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام في عهد صدام حسين، الذي ملأ الدنيا بالكذب والزور.
وفي زماننا هذا فإن الإصدارات الإعلامية لتنظيم القاعدة وداعش تعد من أبرز الأمثلة على خطورة التحريف الذي يقوم به عليم اللسان، وينافسهم في ذلك إعلام محور طهران – دمشق والذي كشف جزء كبير منه الإعلامي اللبناني نديم قطيش في برنامجه (DNA)، ويشاركهم في هذا التضليل كثير من البرامج التي ظهرت في رمضان لتحريف مواقف الإسلام سواء البرامج الدرامية أو الحوارية.
نحن نعيش في زمن حرب الأفكار والعقول، وبعد أن كان هذا الصراع على العقول والقلوب يدور بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي، تحول قسم كبير منه من قبل الغرب والشرق لحرب العالم الإسلامي، فأصبحت الهجمة الفكرية على الإسلام في طليعة الأجندات الدولية وتوظف لها كل الوسائل والأدوات وينخرط فيها مجاميع كثيرة، بعضها ظاهر وبعضها مستتر.
والعاقل هو من يدرك أن عقله ودينه مستهدفان من خلال ما يقصف به يوميا عبر شاشات الفضائيات ووسائل التواصل الالكتروني وتغيير المناهج التعليمية المتواصل بحسب المعايير العلمانية الدولية وليس بحسب المعايير العلمية الموضوعية.
والعاقل هو من يبادر لبناء الوعي الصحيح لفكره وعقله بناء على العلم الصحيح في الدين والدنيا، ويتجنب ضلالات دعاة جهنم من كل التوجهات، وذلك بالتعلم بمنهجية سليمة وواضحة، والتواصل مع الجهات الموثوقة في شؤون الدين والدنيا.
وكما أننا نبحث ونوازن وندقق عند أي اختيار لشؤوننا الخاصة من تعليم أو علاج أو تجارة، فينبغي أن ندقق في اختيار مصادر أفكارنا وأخبارنا وثقافتنا، وقبل ذلك كله مصدر ومرجع تديننا والتزامنا بأحكام الشرع، فلا يجوز أن نعبد الله عز وجل بالجهل والقبول من أي جهة دون تمحيص، ولا يجوز أيضاً أن ننحاز للطرف المتشدد دوماً، بل الموقف الصحيح هو البحث عن جهة موثوقة في تلقي الدين والإسلام ومعرفة مستندهم ودليلهم في ذلك إن كانت تتوفر القدرة العقلية والعلمية لفهم أساسيات ذلك، وبهذا ننجو من خطر عليمي اللسان، الدعاة على أبواب جهنم، وما أكثرهم في زمننا ومن مختلف الأنواع الخشنة والناعمة!