اكتمل الدين فانقطع الوحي الرباني

الرابط المختصر
Image
اكتمل الدين فانقطع الوحي الرباني

 لا زلنا نتحدث في أن الوحي الرباني جاء ليكون هداية ونورا ملزما للناس، وأن ذلك كان عبر تبليغ وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم للوحي الرباني، واليوم سوف ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي أن هذا التبليغ والبيان والتعليم للوحي تم كاملاً، ولذلك انقطع الوحي الرباني، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وقبضت روحه الشريفة لتصعد إلى بارئها سبحانه وتعالى، لقوله جل في علاه: "اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً" (المائدة: 3).
قال الإمام البغوي في تفسير هذه الآية: "قوله عز وجل: اليوم أكملتُ لكم دينكم، يعني: يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم، يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، ولا شيء من الفرائض والسنن"، ويقول العلاّمة صديق حسن خان في تفسيره "فتح البيان في مقاصد القرآن" عن هذه الآية: "(أكملت لكم دينكم) أي جعلته كاملاً غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها وغلبته لها، ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام والمشتبه، والفرائض والسنن والحدود والأحكام وما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك، ولا يخفى ما يستفاد من تقديم قوله (لكم)".
وهذه الآية "اليوم أكملت لكم دينكم" نزلت في حجة الوداع يوم عرفة، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم بعدها بحوالي 90 يوما، وقد قال يهودي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذه الآية: لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذناه عيدا، فقال عمر رضي الله عنه: "قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والليلة التي أنزلت، ليلة الجمعة ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات" راوه النسائي وصحّحه الألباني، ويوم عرفة هو يوم عظيم، فهو يوم الحج الأعظم الذي يغفر الله عز وجل فيه الذنوب ويعتق فيه الرقاب ويقبل الدعاء وتعم فيه الرحمة للمؤمنين، وهو يوم عيد للحجاج فلا يجوز لهم صومه لقوله صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام" رواه أبو داود وصححه الألباني.
فهذه الآية صريحة بإكمال الدين وتمام النعمة ورضا الله عز وجل للبشرية جمعاء الإسلام ديناً، وبذلك تكون مهمة النبي صلى الله عليه وسلم قد تمت على أكمل وجه، ولذلك كانت لحظة الوفاة واللحاق بالرفيق الأعلى سبحانه وتعالى.  
وقد فهم الصحابة حقيقة معنى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه اعلان انتهاء الوحي الرباني للأرض وأهلها، فهذه أم أيمن، حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم، تعبّر عن هذا المعنى بكل وضوح، فعن أنس قال: قال: أبو بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، قال: فلما انتهينا إليها، بكت. فقالا لها: ما يبكيك؟ فما عند الله خير لرسوله. قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، قال: فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها"، رواه ابن ماجة وصححه الألباني.
واكتمال دين الإسلام حقيقة واقعة لا ينكرها إلا جاحد، فعبر تاريخ الإسلام الطويل والبالغ أكثر من 1400 سنة فإن تجدد الوقائع وتطور الحياة وتبدل العادات وتوسع رقعة الإسلام حيث بلغ أقاصي الدنيا ودخل فيه أناس من كافة الشعوب والعرقيات والإثنيات تقريباً، وبرغم كل ذلك فإن الإسلام في عقائده ومفاهيمه وأخلاقه لم يعانِ من أزمة أو تحديات تبطله كما حدث لغيره من العقائد والأديان، والتي إما اتسمت بجانب عنصري فلا تقبل شعوبا وعرقيات فيها! أو انطوت فكرتها على ما يصادم العقل السليم! أو كان فيها أزمة أخلاقية لا تحل!
وعلى صعيد الشعائر والمعاملات فقد اتسمت نصوص الوحي الرباني بالمرونة العالية لتستوعب كل الحالات والاحتياجات المستجدة بما يتوافق مع مقاصد الإسلام ولا يتناقض معها أبداً، فقد شهد تاريخ الإسلام والدول والممالك التي ظهرت فيه مرونة الشريعة الإسلامية وسعتها مع محافظتها على بوصلتها العقدية بتوحيد العبادة والطاعة لله عز وجل، وعلى بوصلتها الأخلاقية القائمة على الحق والعدل.
ومن أمثلة سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها ومجاراتها للواقع والتطور أن النهضة الأوربية الحديثة في جانبها القانوني مستمدة من الفقه المالكي الذي كان سائداً في الأندلس وشمال أفريقيا، وهو ما يصرح به كثير من مؤرخي أوربا، فالمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" يصرح أن نابليون بونابرت عند عودته إلى فرنسا سنة 1801م، أخذ معه كتاب "شرح الدردير على متن خليل" وهو من أشهر كتب المالكية، وجعله مصدرا رئيسياً للقانون الفرنسي! وهناك شهادات كثيرة حول ذلك لكن المجال لا يتسع لإيرادها.
ومن يتابع دراسات وأبحاث مجامع الفقه الإسلامي يدرك حجم الاجتهاد والإبداع الفقهي المعاصر تجاه مستجدات العصر ونوازله، إذ أن الوحي الرباني يحتوي على أصول التشريع الضابطة لحياة البشرية عبر كل العصور الماضية والمستقبلية، وذلك لأنه وحي رباني "ألا يعلم مَن خلق وهو اللطيف الخبير" (الملك: 14).
وباختصار: إن الوحي الرباني اكتمل نزوله وبيانه وتعليمه من النبي صلى الله عليه وسلم بحيث اكتمل الدين الخاتم ورضيه الله عز وجل لنا إلى يوم القيامة، وهو يتسم بالمرونة والسعة والقابلية للاجتهاد والقياس لتلبية حاجات العصر ضمن منظومة التوحيد والإيمان.
ولذلك فلا يصح -بحال من الأحوال-مزاعم البعض من حاجة الناس أو المسلمين اليوم لتبديل أحكام دين الإسلام وتغيير أحكامه بحجة تغير الزمان! فتخرج علينا المنابر الإعلامية (بفتاوى البلاوى) الداعية والمروجة لدين إبليس إذ الكفر والربا والزنا والخمر وكل الشرور فيه حلال حلال!!