الصيام يمنح حياتنا معنى

الرابط المختصر
Image
الصيام يمنح حياتنا معنى

شاع بين المسلمين في عصرنا تقليدهم لغيرهم من الناس ضمن تجليات العولمة بترديد شعارات من قبيل "الفن للفن" و"المتعة للمتعة"، وأن المهم هو كيف نعيش وليس لماذا نعيش!
وبسبب هذه الأفكار التي سيطرت على الناس في الغرب رأينا تبدلاً في القيم وصل لمرحلة قلبها رأساً على عقب، فقد نبذوا الدين وساروا في طريق الإلحاد، وأعرضوا عن الفضائل، وأقبلوا على الفواحش والرذائل وجعلوا من أصحاب الدناءات والقاذورات نجوماً وقدوات وقامات!
وعلى صعيد الأسرة أصبحوا يحاربونها بكل طريق خاصة مع تصاعد فكر وتأثير النسويات الراديكاليات، فأصبح الملايين منهم لا يعرف أباه أصلاً، ولا يتواصل مع أمه، ولا عقب له لأنه منغمس في الزنا ولا يرغب بالأبناء، وكثير من هؤلاء يموت بالانتحار أو المخدرات أو تحت وطأة الأمراض الجنسية كالإيدز أو الأمراض النفسية نتيجة حالة الاغتراب والفراغ.
وهذا كله نتيجة أن الملايين في الغرب فقدوا معنى الحياة! فحين سيطرت الأفكار المادية بقوة على عقول الناس هناك بفضل الفلسفات المادية المتعددة والمتناقضة وتطبيقاتها في الإعلام والتعليم، والتي حاربت الدين كفكرة ورفضت التصديق بعالم الغيب وزعمت أن المادة هي كل الحقيقة، وصدقت مزاعم أن الخلق والكون جاء نتيجة صدفة عمياء! وأن أصل الإنسان حيوان بحسب مزاعم داروين كانت النتيجة الحتمية لذلك نشوء ملايين الشباب والشابات فاقدين للهدف من الوجود والغاية من الحياة والمعنى لذواتهم.
وانعكس ذلك على سلوكهم فأصبح الغرق في المتعة والشهوات بكافة صنوفها وأشكالها ومستوياتها هو الغاية والهدف والمعنى، ولم يعد للضوابط والقوانين جدوى مع هذا الهوس بالشهوات، مهما كانت ضارة ومؤذية، وهذا واضح من زيادة الإدمان على المخدرات والخمر والمسكرات، وما ينتج عن ذلك من ملايين الوفيات والحوادث والأمراض، وأصبحت برامج الإعلام تتنافس في الإسفاف بحيث لم يعد هناك (ستر مغطى)، كما أن الإقبال على تقليد جرائم أفلام هوليود وأخواتها مظهر من مظاهر خواء المعنى في حياة الملايين، وعلى صعيد السياسات المحلية والخارجية لم تعد هذه الجماهير الغربية تحفل بقيم العدالة والحق طالما أن القوة الباطشة والظالمة تحقق لها استمرار جريان أنهار المتعة بحق وباطل، فمئات الألوف من الغربيين الذين يقيمون في (كمبوندات) في عشرات الدول ينعمون بكل متع الحياة بينما ملايين المواطنين من حولهم يعيشون الشقاء في أوطانهم! وقتل ملايين الناس لا يعنيهم طالما أنهم ليسوا منهم ولا يؤثرون على تدفق متعهم!
والعاقبة لكل هذا الخواء من المعنى وغياب الهدف هي موت المجتمعات الغربية واحتضارها وهي التي وصلت مرحلة الشيخوخة حالياً، وبحاجة ماسة للهجرات الشابة المنتجة والمنفتحة على الحياة، ومعلوم أن المهاجرين للغرب قدموا له الكثير من الخدمات، وكان آخرها سياسة مستشارة ألمانيا ميركل باستقبال المهاجرين السوريين، ولكن في نفس الوقت هناك من ينزعج من المهاجرين من اليمين المتعصب والعنصري مما يعقد حياة المجتمعات الغربية!
بالمقابل فإن الإسلام جاء ليعلن بكل وضوح الهدف والغاية من هذا الوجود "وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات: 56)، "أفحسِبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون" (المؤمنون: 115)، فالوجود البشري بخاصة، والمخلوقات بعامة، وُجدت من أجل هدف وغاية وهي معرفة الله عز وجل وعبادته وطاعته حتى ترتقي وتحقق كمال بشريتها وتنعم بالسعادة في دنياها وآخرتها، وكل أحكام الإسلام وشرائعه تتناغم مع هذه الغاية والمقصد، ومنها الصيام.
فلقد بيّن لنا ربنا سبحانه وتعالى مقصد الصيام وغايته وهدفه، فقال جل من قائل: "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة: 183)، فالغاية من الصيام هي الحصول على تقوى الله عز وجل.
والتقوى هي مراقبة المسلم لتصرفاته وسلوكه بما يحقق طاعة الله عز وجل ومحبته، فالمسلم في صومه يمتنع عن شهوته ومتعته الحلال من الأكل والشرب والجماع اختياراً ذاتياً حباً وطاعة لله عز وجل، ويفعل ذلك دون رقابة بشرية من أحد، بل يفعل ذلك بمراقبة ذاتية داخلية.
وثمرة ذلك تنمية الرقابة والوازع الداخلي باطلاع الخالق والرب على دخيلة النفس البشرية، فلا تتجاوز حدود الحلال والحق ولا تتعدى على مساحات الحرام والباطل، ومن نجح في تجنب الحلال تقوى وحبًّا وطاعةً للرحمن فسيكون من باب أولى قادرا على ترك الحرام في رمضان وغيره، وهنا تتحقق التقوى ويحصل المقصود ويصبح للحياة معنى، فنحن لا نعيش لنعيش بأي طريقة، بل نعيش كما أمرنا ربنا، فإذا التزمنا الحق والحلال وتجنّبنا الباطل والحرام فإننا سنسعد في دنيانا حيث تطمئن قلوبنا وتسلم أبداننا وأموالنا وذرياتنا من الآفات وتنفتح علينا البركات، وتكون علاقاتنا قائمة على المحبة والتعاون والبر، ونتجنب في معاملاتنا الغش والخداع والاستغلال والإضرار، وفي الآخرة تكون النجاة من النار والفوز بالجنان.
تقوى الله عز وجل هي مقصد الصيام والسعى لتحقيقه (لعلكم تتقون) هو الذي يعطي حياتنا معنى، فالمسلم الصادق هو الذي يسأل نفسه دوماً هذه الأسئلة:
هل يحب الله عز وجل هذا الفعل أو السلوك أو المفهوم أو القيمة؟
كيف أفعل ذلك بشكل صحيح؟
هل أفعل ذلك من أجل الله عز وجل فعلاً؟ أم أن هناك مقاصد خفية كحب الشهرة والفخر؟ أم أفعله تقرباً من شخص أو جهة أو غير ذلك.
وحين يصل المسلم للإجابة السليمة ويعمل على تطبيقها فإنه يدلف لعالم السعادة الحقيقية من خلال صراعه مع هوى النفس الباطل والتعالي على الطبيعة الحيوانية التي تسعى خلف غرائزها وشهواتها فحسب، فيسمو بروحه وقلبه وعقله لعالم الإيمان والتقوى بالانتصار على متطلبات عالم المادة المجردة ويحقق إنسانيته بامتلاك الإرادة الحرة الخيرة التي تقدم مرضاة ربها على مرضاة شهواتها، ويصل لمعنى الحياة الذي يجعل فارقاً بين الإنسان والحيوان، فالإنسان له هدف وغاية هو فعل الأفضل وهو تقوى الله عز وجل اعتمادا على عقله وإرادته، بخلاف الحيوان الذي هو مأسور لغرائزه لا يستطيع الإنفاك عنها.
هذا المعنى للحياة الذي يعطينا إياه الصيام لا يتحقق إلا بإكمال الصيام على حقيقته بترك المحرمات من شهادة الزور والظلم وارتكاب الموبقات من العري والاختلاط وتضييع الصلوات وإغفال طاعة الرحمن وتقواه، ولذلك لا يَسعد قطاع واسع من الصائمين اليوم بسبب نقص صيامهم وكونه أقرب للريجيم منه لطاعة الرحمن!