العلاقات الروسية – الإيرانية: إلى أين؟

الرابط المختصر
Image
العلاقات الروسية – الإيرانية: إلى أين؟

أحدثَ التعاون الإجرامي في سوريا بين إيران وروسيا تساؤل الكثيرين عن خلفيات هذا التعاون والعلاقات الروسية والإيرانية، ولفهم شيء من هذه الخلفيات والأبعاد نستعرض هذه الدراسة التي نشرها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية سنة 2010م، وهي من إعداد سيرجي شاشكوف وهو عقيد روسي متقاعد من هيئة الأركان العامة للقوات الروسية، وعمل مراقبا ومستشارا بالأمم المتحدة لعدة سنوات.
الدراسة تقع في 60 صفحة من الحجم المتوسط، وتناولت المحاور التالية: المشروع النووي الإيراني، العلاقات الاقتصادية، التعاون التقني العسكري، التعاون في مجال الفضاء والطيران المدني، آسيا الوسطى والقوقاز في خطط إيران وروسيا، بحر قزوين: ميدان للصداقة أم الصراع؟
في البداية يكشف المؤلف أن تصاعد العلاقات الإيرانية الروسية جاء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن هدف روسيا من تطوير العلاقات مع إيران هو أولاً محاربة التطرف الإسلامي السني في روسيا والمدعوم من جهات في المنطقة العربية كما يزعم الباحث، وثانيا الحصول على عملة صعبة من خلال تصدير الأسلحة وبناء المنشآت النووية الإيرانية، كما أن حرص الطرفين على وضع حد للتدخل الغربي في منطقتهما ساعد على تسريع هذا التقارب برغم الخلافات الأيدلوجية العميقة بين الطرفين، أما إيران فكانت ترغب باستغلال حاجة روسيا لتسريع إنجاز مشروعها النووي.
لكن هذه العلاقات رغم تصاعدها إلا أنها لم تكن كما يرغب الطرفان، فروسيا كانت ترغب بأموال إيران لكنها كانت تراعي المصالح الإسرائيلية في عدم إنجاز المشروع النووي الإيراني، ولذلك قامت روسيا بالتعاقد مع الإيرانيين في مجال الطاقة النووية السلمية سنة 1992، ثم عقدت اتفاقية إنجاز المفاعلات النووية عام 1995 على أن ينتهي المشروع في 1999، لكن روسيا رضخت للضغوط الأمريكية المهددة بفرض العقوبات عليها لتجمد وتماطل في إنجاز ما تم الاتفاق عليه مع إيران، ولذلك تأخر تسليم المفاعلات النووية لإيران مدة 11 سنة، حيث تم التشغيل التجريبي في نهاية 8/2010م.
وهذا يدل على طبيعة العلاقة بين الطرفين وأنها علاقة تقوم على المصالح البحتة، لكن هذه المصالح ليست نقية بل فيها شوائب كثيرة، وليس من مصلحة روسيا حصول إيران على السلاح النووي، ولذلك تخلل مدة التأخير (11 سنة) ضغوطات وعقوبات على إيران من روسيا وبقية دول العالم وخاصة الغرب جعلتها في النهاية ترضخ لعقد صفقة حول مشروعها النووي مع أمريكا والغرب في نهاية عام 2015.
بعد أن تيقنت إيران من مسيرتها مع روسيا في إنجاز المشروع النووي وأنها لا تستطيع معاندة العالم برمته إلى ما لا نهاية، بدأت مسيرة تفاوضية وتقديم تنازلات كبيرة لإنقاذ نظام الملالي من السقوط إما بضغط العقوبات الدولية أو بضغط الغضب الشعبي.
انعكست مسيرة التعاون النووي على بقية العلاقات الروسية الإيرانية، فإذا كانت مسيرة المشروع النووي جيدة وليس هناك عقوبات على روسيا وضغط على إيران كانت العلاقات التجارية والاقتصادية ترتفع وتتقدم، فقيمة التبادل التجاري بين روسيا وإيران ارتفع من 661 مليون دولار سنة 2000 إلى ملياري دولار سنة 2005، لكنه انخفض سنة 2006 إلى مليار دولار فقط، وذلك بسبب مماطلة روسيا في دعم إيران نووياً.
لكن عاودت العلاقات للتحسن بعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لطهران سنة 2007، لكن لم تتطور العلاقة كما ترغب إيران بسبب العقوبات الغربية التي فرضت على الشركات الروسية المتعاونة مع إيران.
أما بخصوص التعاون في المجال العسكري فقد بدأ منذ مقاطعة أمريكا لنظام الملالي، حيث توجه الإيرانيون للسلاح الروسي، ولكن كانت هناك عراقيل في تنفيذ وتسليم صفقات السلاح إما لعدم رغبة الروس بتقوية إيران أكثر من اللازم كما حدث في امتناع روسيا عن بيع إيران منظومة S 300، وإما بسبب مشاكل التصنيع العسكري الروسي نفسه وعدم كفاءته وقدرتهم على التصنيع.
ولذات الأسباب كان الدعم الروسي لإيران في مجال الفضاء والطيران متواضعاً، عدا عن عدم رغبة الروس بالتقدم الفضائي الإيراني ولتخلف الصناعات الجوية الروسية والتي تسببت بكوارث جوية عديدة في إيران.
أما عن العلاقات الروسية الإيرانية في آسيا الوسطى عقب استقلال جمهوريات كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وقرغيزستان وطاجكستان، فهي علاقات يشوبها التنافس على الهيمنة من جهة والتوافق على صد التواجد الأمريكي من جهة أخرى. 
ولم تكلل بالنجاح محاولات إيران بالهيمنة على هذه الجمهوريات، وإن كانت قد خدمت روسيا بقوة في عدوانها على الشيشان، فقد بذلت إيران جهدا كبيراً لتبرير عدوان روسيا على الشيشان وإبادتها كما تفعل اليوم في سوريا، حيث اعتبرت إيران ذلك شأنا روسيا داخليا، ومما يفسر التناغم الحاصل بينهما في سوريا ضد الشعب السوري الثائر، ويشير الباحث أنه يتوقع في حالة مهاجمة إيران من الغرب أن تدافع روسيا عنها وذلك حتى تحافظ على آخر ما تبقى لروسيا من مصداقية لدى شركائها في العالم الإسلامي، وقد يكون هذا جزء من تفسير العدوان الروسي على الشعب السوري ونصرة نظام بشار المجرم!
وهذه العلاقة التنافسية من جهة والتوافقية من جهة أخرى تتكرر في موضوع تقاسم ثروات بحر قزوين، حيث هناك تنافس وصراع قوي حول طريقة تقسيم بحر قزوين وثرواته، وهناك توافق على معارضة التدخل الأمريكي من جهة أخرى.
وبرغم هذا فإن روسيا دوما ما تضحي بعلاقاتها مع إيران في مقابل الحصول على مكاسب من الغرب، لكن دون أن تقطع تلك العلاقات بالكلية، مما جعل من الطرفين يتعاملان معاً بانتهازية مفضوحة، ويتضح ذلك بجلاء في المشاريع المقترحة روسيًا وإيرانيًا والمتعارضة لتصدير غاز وبترول قزوين.
الخلاصة: أن العلاقات الروسية الإيرانية علاقات مصلحية بحتة، لكنها مرتبطة بمصالح أخرى وضغوط دولية، لكن ما يجمعهما هو معارضة الهيمنة الأمريكية من جهة وحاجتهما لكسر الحصار المفروض عليهما من الغرب، كما أنهما يتشاركان الزعم بمحاربة الإرهاب برغم أنهما الراعيان له، ولذلك يتصارعان ويتعاونان، ولكن صراعهما وتعاونهما ليس مفيداً للمسلمين في أي مكان، ويمكن للعقلاء استغلال هذه التناقضات لفكفكة تحالفهما ضدنا اليوم في سوريا واليمن وغيرهما.