القرآن الكريم يقرر شمول الوحي للسنة النبوية

الرابط المختصر
Image
القرآن الكريم يقرر شمول الوحي للسنة النبوية

للأسف أن كثيرا من المتعلمين في عصرنا هذا يتخرجون من المدارس والجامعات ولم تتكون عندهم ملكة فكرية تحصّنهم من الشبهات التي تشيع في هذا العصر ضد الدين والإسلام، والتي منها الطعن والتشكيك في السنة النبوية، ومما يدل على خلل هذه المناعة الفكرية والحصانة الإيمانية كثرة انتشار وتداول الرسائل المشككة في حجيّة السنة النبوية أو المشككة في دقة ثبوتها ونقلها أو التي تطعن في السنة من جهة تأويلها على معان فاسدة.
ومما ساعد على ذلك خروج كثير من رؤوس الضلال على شاشات الفضائيات ينشرون ترهاتهم وأباطيلهم على جمهور غير مختص ولم يملك مفاتيح الفهم لهذه القضايا، وهذه ضريبة الجهل بالدين الذي استغله المتطرفون الإرهابيون لنشر فكرهم التكفيري الدموي باسم حماية الدين وبيضته من جهة، ويستغل هذا الجهل بالدين في الجهة المقابلة المتطرفون الإرهابيون العلمانيون لنشر طعونهم في الإسلام والسنة باسم تنقية الدين وتطويره!
وحجية السنة النبوية يؤكدها القرآن الكريم بذاته حين يكرر في أكثر من آية أن السنة النبوية هي جزء من الوحي الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: "ما ضلّ صاحبكم وما غوى* وما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يُوحى" (النجم: 2-4).
فالوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم نوعان، الأول وحي بلفظه ومعناه من الله عز وجل وهو متعبد به كالقرآن الكريم، ووحي معناه من الله عز وجل كالأحاديث النبوية والأحاديث القدسية فهي معناها من عند الله عز وجل وإن كان لفظ الأحاديث القدسية من الله عز وجل إلا أنه لا يتعبد بتلاوتها مثل القرآن الكريم.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل سؤالاً وليس عنده فيه علم من ربه انتظر نزول الوحي لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وقد يطول هذا الانتظار حتى يأتي الجواب بوحي من الله عز وجل، والذي قد يكون قرآنا كقوله تعالى: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي" (الإسراء: 85)، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث، وهو متكئ على عسيب، إذ مرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه، لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح، قال: فأسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه شيئاً، فعلمت أنه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني، فلما نزل الوحي قال: "﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (الإسراء: 85).
وقد يكون الجواب وحيا بالمعنى نزل به جبريل كحديث صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة، عليه جبة وعليها خلوق أو قال أثر صفرة (نوع من الطيب له لون أصفر)، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل عليه الوحي، قال: فقال أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي؟ قال: فرفع عمر طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط، قال: وأحسبه قال: كغطيط البكر، قال: فلما سري عنه، قال:"أين السائل عن العمرة، اغسل عنك أثر الصفرة أو قال أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك" رواه مسلم؛ فهنا جاء الوحي ببيان حكم وضع العطر والطيب للمحرم بالحج أو العمرة، ولم يكن من القرآن الكريم.
ومن أدلة القرآن الكريم على أن السنة النبوية وحي رباني، أمر القرآن الكريم بشكل مطلق وعام وشامل لجميع الناس عبر الزمان والمكان بالرجوع للسنة النبوية مع القرآن الكريم كما في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" (النساء: 59)، وكقوله تعالى: "وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون"(آل عمران: 132).
ومعلوم أن المقصود بطاعة الله عز وجل والرد إليه هو طاعة كتابه وكلامه وقرآنه ويكون ذلك في كل وقت ومكان وفي كل شأن، وبالمثل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والرد إليه هو طاعة سنته والرد إليها في كل وقت ومكان وشأن لأنها وحي من الله عز وجل.
والآيات القرآنية الدالة والمؤكدة على ذلك عديدة، وهذا يهدم خرافات وادعاءات منكري حجية السنة النبوية من مدّعي اتباع القرآن الكريم والاقتصار عليه، ويكشف عن كذبهم وافترائهم في دعوى التزامهم بما جاء في القرآن الكريم!
فالقرآن الكريم يؤكد ويصرح ويكرر الأمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وأن ما جاء به من السنة والحكمة هو وحي مثل القرآن الكريم في التشريع، ولكن هؤلاء الأفاقين بحالهم المائل هذا يؤكدون حجية النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر عنهم بما جاءه من الوحي من ربه فقال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه" رواه أحمد وغيره. وما أجمل ما لقّبهم به أحد الفضلاء بأنهم الأرائكيون وليسوا القرآنيين كما يدّعون!     
والقرآن الكريم لا يكتفي بهذه الآيات الصريحة التي تعلن أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى في تبليغ القرآن الكريم ولا في بيان معانيه ولا في بيان أمور الدين، بل يشير في آيات عدة إلى نزول وحي على الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف القرآن الكريم، وهذه بعض النماذج:
قال تعالى: "إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين" (آل عمران: 124)، وهذا خبر أقر القرآن الكريم بصحّته وهو لا يقال بالاجتهاد والتخمين من الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يبقَ إلا أن يكون وحياً من الله لكنه من السنة وليس القرآن كما تصرح الآية "تقول" وتنسب القول للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: "قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينك قبلة ترضاها" (البقرة: 144)، فتم تحويل القبلة في الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، لكن جعل بيت المقدس قبلة لم يأت بالقرآن الكريم ولا يمكن أن يكون بالاجتهاد الشخصي من الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يبق إلا أن اتخاذ بيت المقدس قبلة كان بوحي خارج القرآن الكريم وهو السنة النبوية.
وقال تعالى: وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير" (التحريم: 3)، وهذه آية صريحة في مجيء وحي للنبي صلى الله عليه وسلم بخلاف القرآن الكريم.
وقال تعالى: "إنما أُمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأُمرت أن أكون من المسلمين" (النمل: 91)، ثم حارب النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة ودخلها بالسلاح منتصراً وسجل القرآن الكريم ذلك، فقال تعالى: "إذا جاء نصر الله والفتح" (النصر:1)، فأين الإذن للنبي صلى الله عليه وسلم بإباحة فتح مكة؟ وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن مكة: "بلد حرم الله يوم خلق السموات والأرض وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة" رواه البخاري.
وثناء القرآن على الفتح يؤكد نزول الوحي بالإذن في ذلك ولكن ليس في القرآن الكريم ولكن في السنة النبوية.
للتغطية على موقف القرآن الكريم من شمول السنة النبوية في مفهوم الوحي والذي يجعل للسنة النبوية حجية ومصدرا مستقلا بالتشريع في الإسلام، لجأ المغرضون من أهل الأهواء والعلمانيون للزعم أن اعتبار السنة وحيا هي فكرة طارئة على الإسلام! ولم تعرف إلا بعد سنوات عديدة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم! وأن أول من اخترع ذلك القول وادّعاه هو الإمام الشافعي!
وهذه كذبة صلعاء يراد بها التشويش وخداع جهلة المتعلمين من أبناء المسلمين! فالقرآن الكريم يفصح في عدة آيات على أن السنة النبوية هي الحكمة التي أنزلت مع القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: "وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة" (النساء: 113)، فزعموا أن الشافعي هو أول من فسّر الحكمة بالسنة، ومعلوم أن الشافعي ولد سنة 150 للهجرة، فهل حقا لم يقل أحد قبل الشافعي بأن الحكمة هي السنة النبوية وأنها أنزلت مع القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طبعا الجواب: إنهم يكذبون! فاعتقاد أن الحكمة هي السنة هو قول عامة المفسرين والعلماء من قبل ولادة الشافعي أصلاً! ومن يراجع كتب التفسير كتفسير ابن كثير يجده ينقل ذلك عن الإمام الحسن البصري المولود سنة 21 هجري! ويجد الإمام الطبري في تفسيره ينقل ذلك عن الإمام قتادة بن دعامة السدوسي المولود سنة  61 هجري! فكيف يخترع الشافعي قولا معروفا قبله بـ 130 سنة!!
لكن لما كانت غايتهم هدم الإسلام بهدم مصادره الأولى (القرآن الكريم والسنة النبوية) لم يبال هؤلاء الأعداء للوسيلة التي يسلكونها لإطفاء نور الحق الذي جاء به الإسلام، ولكن ما يسري عن المؤمنين والمسلمين أن هذه الحروب عسكرية وفكرية مآلها الخسارة والخراب، فالواقع يؤكد قوة الإسلام وتمدده في كل مكان برغم ضعف قوة المسلمين، والله عز وجل أخبرنا من قبل فقال تعالى ذكره: "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون" (الأنفال: 36).