مؤتمر الانتصار للصحيحين

الرابط المختصر
Image
مؤتمر الانتصار للصحيحين

أقامت كلية الشريعة في الجامعة الأردنية بمشاركة جمعية الحديث الشريف وإحياء التراث الأسبوع الماضي مؤتمر "الانتصار للصحيحين"، وقد كان للزميل الدكتور محمد خازر المجالى جهد مشكور ومقدر في إنجاح هذا المؤتمر من خلال موقعه كعميد لكلية الشريعة.
وقد قدمت في المؤتمر 45 بحثاً من عدد من الباحثين من الأردن وخارجها، وكان هناك مشاركة نسائية بارزة في المؤتمر على صعيد الحضور والمشاركة في أوراق العمل من داخل الأردن وخارجه، وقد كان للتساء المسلمات عبر التاريخ مشاركة متميزة في علوم الحديث رواية وتدريساً لعدد من كبار المحدثين.
وقد كشف المؤتمر من خلال مداخلات الحضور عن وجود طاقات علمية واعدة خاصة من طلبة الدراسات العليا والمهتمين بعلم الحديث.
ورغم أهمية موضوع المؤتمر والذي يتعلق بالأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية وهي السنة النبوية إلا أن التغطية الإعلامية المحلية للمؤتمر كانت معدومة قبل وأثناء وبعد المؤتمر!! وهذا عيب وخلل كبير من وسائل الإعلام ومن الجهة المنظمة، ولوحظ غياب قيادات الجامعة الأردنية عن فعاليات المؤتمر رغم أنه برعاية الجامعة وفي رحابها!!
هذه المؤتمرات العلمية الشرعية تعتبر اليوم من الأهمية بمكان بسبب ضرورة تصدى الجهات المختصة والرسمية وذات المصداقية على الصعيد الرسمي والشعبي لكثير من التحديات الداخلية والخارجية التي تثار حول الإسلام والشريعة والقرآن الكريم والسنة النبوية، وإذا لم تتصدى هذه الجهات لهذه التحديات فإنها تستفقد مصداقيتها وتأثيرها ودورها في ترشيد العمل الإسلامي وتترك المجال مفتوحا لكثير من الأدعياء لملء الفراغ إما بالجهل والتفريط أو بالغلو والتنطع، ولكن حتى تؤتي جهود هذه الجهات الرسمية والمختصة أكلها فإنها تحتاج أن تتواصل مع الجمهور بشكل كبير وسلس وبلغة بسيطة ومباشرة ومن خلال وسائل متنوعة، كما أن التعاون مع الفغاليات الشعبية ذات المصداقية والثقل في الشارع يساعد هذه الجهات على تفعيل دورها بشكل أكبر.
كثير من الأبحاث التي قدمت في المؤتمر عالجت العديد من الإشكالات المثارة من قبل جهات وتيارات متعددة همها هدم مكانة الصحيحين والسنة النبوية في نفوس المسلمين، واتسمت المعالجات بالموضوعية والدقة العلمية، لكن هذه المعالجات ستبقي حبيسة جلسات المؤتمر إن لم يتح لها الوصول للجمهور عبر وسائل الإعلام، وللأسف أن وسائل الإعلام عادة ما تفسح المجال فقط للطاعنين في الصحيحين على مبدأ الصحافة في أن الخبر هو "عض رجل كلب"!!
من الإشكالات التي فندت في أبحاث المؤتمر إشكالية أن مؤلفا الصحيحين تعرضا لضغط سياسي تحكم في الصورة النهائية للصحيحين، وهذه الشبه قد تروج عند بعض البسطاء لكن الباحثين الجادين في علوم السنة النبوية يعلمون أن المحدثين كانت عندهم حساسية زائدة في الأخذ عن الرواة الذين لهم علاقة بالسلطات السياسية فكانت ترد رواية العديد من الرواة فقط لأنه ممن يدخل على السلطان!!
وكان من منهج أهل الحديث رفض تدخل السلطة في شؤون الدين دون وجه حق مع التزامهم بالوحدة الإسلامية للأمة ورفض زعزعة تجمعها، كما في موقف الإمام احمد بن حنبل الصلب في وجه تغول المعتزلة - دعاة التنوير- بقوة السلطان لفرض أرائهم على المسلمين!!
ومن الأمثلة أيضاً على عدم خضوع أئمة الحديث لرغبات السلطان قصة الإمام البخاري مع الأمير خالد ابن أحمد الذهلي والي بخارى حين طلب من الإمام البخاري أن يحضر للقصر مع كتابه الصحيح وكتابه التاريخ ليقرأه عليه، فقال الإمام  البخاري: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فاحضر في مسجدي أو في داري وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار"، هكذا كان موقف المحدثين فكيف يسوغ لمفترى أن يزعم خضوع أئمة الحديث لرغبات السلاطين ؟
ومن القضايا المهمة التي طرحت في المؤتمر قضية سبق المحدثين العالم وخاصة المستشرقين في مناهج نقد النصوص والإبتكار في توضيح الفروق واختلاف النسخ من خلال الرموز واستخدام عدة ألوان في الكتابة – قبل ظهور التقنيات الطباعية الحديثة –  وقد لخص د. شوقي ضيف هذه الحقيقة بكون أسلافنا من المحدثين كانوا في قمة الدقة والإبداع في التعامل مع النصوص والكتب والمخطوطات في كتابه البحث الأدبي فقال: " وإخراج اليونيني لصحيح البخاري على هذا النحو، يدل بوضوح على أن أسلافنا لم يبقوا لنا ولا للمستشرقين شيئًا يمكن أن يضاف بوضوح في عالم تحقيق النصوص، ونراه ينص على مكان النسخة لا على اسم صاحبها فقط، وإذا كان قد نقص منها أجزاء مثل أصل أبي القاسم الدمشقي، الذي نقص الجزئين الثالث عشر، والثالث والثلاثين، نص على ذلك، ونراه ينص على أن جميع الأصول كانت مسموعة، وهي أعلى المراتب في تحمل الكتاب "، وهذا الحرص على الدقة والإبداع هي نتاج طبيعي لثقافتنا الإسلامية التي تحث على الدقة والإتقان " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ".
ومن فوائد المؤتمر كشف عوار مناهج الحداثيين اليوم في نقد السنة النبوية بعامة ونقد الصحيحين بخاصة، فمن الحيل التي يستند لها الحداثيون في الطعن بالصحيحين هي تجاوز تميز الصحيحين بمعايير علمية ودقيقة عالية جداً واعتبارها مثل سائر كتب الحديث والتاريخ التي تحوى الغث والسمين بسبب غياب معايير الصحيحين!!
ورغم أن الحداثيين يدعون الموضوعية والعلمية إلا أنهم في موقفهم هذا ضربوا بعرض الحائط كل هذه المعايير العلمية التي تميزت بها أمة الإسلام عن سائر الأمم مما حفظ لها نصوص دينها بعكس سائر الأمم والفلسفات التي لا تتمكن من إثبات أساسيات معتقدها بنص موثق يمكن الركون إليه، ولذلك حين عجزوا عن نقد صحة معايير الصحيحين لجأوا لنفي مصداقية الوحي بالكلية وحصروا ذلك في العقل وحده، وبدلاً من حل المشكلة تفاقمت بعدم الإتفاق على عقل يحتكمون إليه ولذلك لا تزال عقول الحداثيين تفرز نظريات يضرب بعضها بعضاً حتى وصلوا مرحلة ما بعد الحداثة ولا يزالون مختلفين ومضطربين.