تفسير القرآن بين جهود المصلحين وعبث العلمانيين!!

الرابط المختصر
Image
تفسير القرآن بين جهود المصلحين وعبث العلمانيين!!

القرآن الكريم هو مرجع المسلمين الخالد بحفظ الله عز وجل له (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر،9] ، ولكونه المرجع للمسلمين فقد تسابقوا عبر التاريخ لحفظه وفهمه والعمل به والدفاع عنه، وكلما كان المسلمون من القرآن أقرب كانوا أرقى وأقوى، فالقرآن يرفع أصحابه في الدنيا كما أنه يرفع أصحابه في الجنة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "يقال لقارىء القرآن يوم القيامة: اقرا وارتق" رواه الترمذي. ذلك أن القرآن – ونحن على أبواب شهر القرآن- جاء للبشرية بالنهضة الشاملة والحضارة الكاملة، فلما تخلق سلفنا الصالح بأوامر القرآن وساروا على هداياته والتزموا مفاهيمه التي بيّنها لهم وفصلها لهم النبي صلى الله عليه وسلم حازوا الدنيا في سنوات معدودات، ونشروا فيها النور والضياء، وهكذا نعمت البشرية ألف عام في ظل الإسلام وعدله ورحمته، حتى دبّ في المسلمين الوهن والهزيمة ببعدهم عن أنوار القرآن وهدايات السنة النبوية، بسبب استفحال الخرافات الصوفية كتقديس الجهل ومحاربة العلم والركون للظلم والمحتل وبسبب ركون الحكام إلى الدنيا وملذاتها ولجوئهم لظلم رعيتهم لمصلحة شهواتهم، في الوقت الذي اقتبست فيه أوروبا بعضاً من هدايات القرآن، فنبذت عنها خرافات الكنيسة ووثنيات الإغريق، وتعلقت بأصول العلم التي تعلموها في جامعات المسلمين في طليطلة وقرطبة بالأندلس، أو ما شاهدوه وتعلموه من حملات الفرنجة على بلاد الشام، فكثير من الناس لا يعرف أن بعضاً من بابوات الكنسية في روما أو ملوك أوروبا كانوا يفتخرون بكونهم من طلبة جامعات المسلمين في قرطبة مثل البابا سلفستر الثاني أول بابا فرنسي في تاريخ الكنيسة والذي انتخب للبابوية عام 999 م، أما عند المسلمين اليوم فقد أصبح الكثير من الحكام والقادة والعلماء المسلمون يعتزون بدراساتهم في جامعات الغرب، فسبحان مغير الأحوال!! وعندما تكالب الاحتلال الأوروبي على بلاد المسلمين وضعفت الدولة العثمانية سخّر الله عدداً من العلماء والقادة المصلحين الذين رفضوا هذه الخزعبلات والخرافات التي شوهت صورة الإسلام وأضرت بواقع المسلمين، ورفضوا تخاذل الحكام والولاة عن نصرة الدين وحماية المسلمين، فحملوا راية العمل للدين تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" رواه أبو داود. فكان على رأس عملهم وجهادهم وتجديدهم: تجديد تفسير القرآن الكريم للأمة وربطها بأنوار الوحي، فوجدناهم يتسابقون على تفسير القرآن للأمة في المساجد والكتب فنشأت النهضة والصحوة في الأمة من جديد، ويمكن أن نعدّد من هؤلاء المفسرين ما يلى: الشوكاني في اليمن (ت 1834م) وله "فتح القدير"، والآلوسي في العراق (ت 1845) وتفسيره "روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني"، وصديق حسن خان في الهند (ت 1890) وله "فتح البيان في مقاصد القرآن"، وجمال الدين القاسمي في الشام (ت 1914) وتفسيره "محاسن التأويل وهو تفسير للقرآن الكريم"، ومحمد رشيد رضا بمصر (ت 1935) وله "تفسيرالمنار"، وعبدالحميد بن باديس بالجزائر (ت 1940) وله "مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير"، ومحمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر (ت 1945) وله تفسير المراغي، وعبدالرحمن السعدي من نجد (ت 1956) وله "تيسير الكريم المنان"، ومحمد الطاهر بن عاشور في تونس (ت 1972) وله "التحرير والتنوير"، والشنقيطي من موريتانيا (ت 1973) وله "أضواء البيان"، وغيرهم كثير. وقد كان لهذه الجهود المباركة في تدريس وتأليف التفسير نتائج ملموسة في الأمة الإسلامية، بعد أن كان المسلمون يقبعون في ظلامات الجهل والتخلف بسبب الحث الصوفي على الجهل من جهة واقتصار التدريس الجيد على مدارس الإرساليات التبشيرية التي فرخت لنا طلائع العلمانيين!! مما جعل المسلمون يفضلون الجهل على العلمانية والردة كما حدث لبعض الطلبة، فأصبحت دروس التفسير في المساجد سبباً لإنشاء المدارس التي تحارب الجهل والخرافة والتبشير والتغريب والعلمانية من جهة أخرى، كما يتبدى هذا بوضوح في جهود رشيد رضا وابن باديس. وبسبب ربط المسلمين بأنوار القرآن دبت الحركة العلمية والفكرية من جديد في أوساط المسلمين وبدأت تتقلص مناطق الجهل والشعوذة بين المسلمين، ولا تزال لليوم المناطق الإسلامية التي يروج فيها الجهل والخرافة والتخلف هي المناطق التي لم تنعم وتحظَ بجهود العلماء المصلحين!! وكان من نتائج العلماء المفسرين ما نشاهده اليوم من عودة غالبية الأمة للالتزام بتعاليم القرآن والسنة والمحافظة على الشعائر الإسلامية، والتي تبدّت بكل وضوح في حرص ومشاركة الغالبية المطلقة على الصلاة في ميادين الثورة في تونس ومصر وليبيا، وقد اعترف منظرهم محمد أركون بهذه الحقيقة حين قال: "نلاحظ في كل المجتمعات الإسلامية أن الإسلام يشهد اليوم انتشاراً وذيوعاً لم يعرفها في ماضيه السابق كله". وعندما فشل العلمانيون وأذنابهم – ومن قبلهم المستشرقون- في مقارعة الإسلام والقرآن صراحة لجؤوا إلى محاولة جديدة لحرب القرآن ولكن من خلال بوابة التفسير، فزعموا أن مناهج التفسير المعتمدة ليست سليمة ولا صحيحة أو علمية وأنهم بما عندهم من علوم عصرية ومناهج غربية أقدر على فهم القرآن من علماء المسلمين الذين حفظوه وهم صبيان ودرسوه طوال حياتهم، بينما هؤلاء العلمانيون غالبهم لا يحفظ حتى الفاتحة فضلاً عن غيرها ويعجز عن قراءة بضع آيات دون أن يلحن فيها لحناً جلياً يغير المعنى!! وهذه طائفة من نصوص وتفسيرات هؤلاء العلمانيين الذين يخدعون الناس بالشعارات الكبيرة والوعود الضخمة دون أن يقدموا للمسلمين نماذج من تفسيرهم للقرآن، لأنها ستكشف أغراضهم الخبيثة، فيكتفون بإطلاق التهم والإشاعات على جهود المفسرين المصلحين، والوعود والألقاب الفخمة والضخمة على منهجيتهم، ولكن حين تطاله نتائجهم يدرك حتى البسطاء مقدار جريمتهم وحقدهم على الدين، وهذه هي بعض الأمثلة: 1- محمد شحرور فسر آيات الحجاب بأنها تعني أن المسلمة التي ترتدي شورتاً قصيراً جدا وتستر ما تحت الإبطين وما تحت الثديين محجبة!! 2- كما يفسر شحرور قوله تعالى "إنا أنزلناه في ليلة القدر" وقوله "ليلة القدر خير من ألف شهر"، بأنه لا وجود لليلة تسمى ليلة القدر ولها فضل عظيم يساوى عبادة ألف شهر، بل التفسير الصحيح هو: أن ليلة القدر تعني صدور أمر رب العالمين بإشهار القرآن بلسان عربي مبين!!    3- نصر أبو زيد يرفض أن تدل ظواهر آيات القرآن على العقائد الإسلامية مثل عرش الرحمن والقلم واللوح المحفوظ!! ويزعم أن هذه ظواهر هذه الآيات تشكل صورة أسطورية!! 4- كما يرفض نصر أبو زيد أن يكون القرآن الكريم إلهي المصدر، ويعتبره من صياغة الواقع!! ومعلوم أن هذا يقتضي عدم عصمة القرآن أو إعجازه أو صوابه وصدقه!! 5- عبدالمجيد الشرفي يعتقد أن الآيات المتعلقة بالصلاة لا تدل على وجود هيئة موحدة للصلاة، بل يمكن لكيفية الصلاة وكذلك الصيام أن تتطور بحسب كل مسلم! 6- محمد أبو القاسم حاج يرى أن آيات خلق آدم عليه السلام توافق نظرية داروين في التطور، وأن آدم لم يخلق بشكل كامل منذ اليوم الأول!! هذه بعض الأمثلة لبيان أن حقيقة الغاية التي يسعى لها العلمانييون من وراء هذه الجهود الخبيثة هي زعزعة إيمان المسلمين بالقرآن الكريم وهدم الإسلام من داخله، وهذا هو الفارق بين جهود العلماء المصلحين وجهود العلمانيين. وهناك العديد من الدراسات الجادة التي ناقشت هذا الموضوع  ومنها: التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم، للدكتورة منى الشافعي، وكتاب الاتجاه العلماني المعاصر في علوم القرآن، للدكتور أحمد الفاضل. والعجيب أن هؤلاء العلمانيين يدركون جيداً أنهم مخادعون ومتناقضون في دعواهم، ولذلك تجد بعضهم يرد على بعض حتى في تحريفهم للتفسير وعبثهم به، ومن جهة أخرى هم يدركون جيداً أن هذه المناهج غير سليمة ولا صحيحة ولذلك تجد بعضها ينقض بعضاً، كما أنها لا تصلح للتطبيق والاستخدام في القضايا الكبرى، فتخيل لو أن أحدهم طالب بتطبيق هذه "المناهج العلمية والحديثة والحداثية" على الدساتير!! أو القوانين!! أو الخطابات السياسية!! هل ستستقيم الحياة؟؟ وهل يمكن لها أن تسعد الناس؟؟ وهم لن يجدوا مرجعية محددة واضحة يتحاكمون لها بسبب مناهجهم!! لكن غاية العلمانيين من كل هذا هدم الدين وحرب القرآن، لا خدمة الإسلام ولا إسعاد المسلمين، ويشايعهم في ذلك جمع من البلهاء الطيبين.