الزواج وأزمة الحداثة وما بعدها !!

الرابط المختصر
Image
الزواج وأزمة الحداثة وما بعدها !!

أزمات موجة الحداثة وما بعد الحداثة المادية بخلفياتها العلمانية والإباحية تولدت عنها اختلالات خطيرة في بنية المجتمعات الإسلامية، وذلك بسبب تناقض وتضارب كثير من توجهات الحداثة وما بعدها مع بعضها البعض لكونها نتاج عقول بشرية مختلفة الأمزجة والأهواء، وبسبب عدم سلامة وصحة كثير من منتجات هذه الحداثة نفسها، مثل تضخيم النزعات الاستهلاكية والفردية المفرطة، وزعزعة القيم والمعتقدات الدينية. ومن أزمات الحداثة وما بعدها في مجتمعاتنا خلخلة نظام الزواج، فبعد أن كانت المسافة بين البلوغ والزواج لدى الفتيان والفتيات لا تتجاوز بضعة سنوات، أصبحت تمتد لعقد أو عقدين!! وذلك بسبب تغير نمط الحياة وصعوبة تكوين أسرة في ظل الأزمات الاقتصادية المتكررة وارتفاع كلفة الزواج بسبب شيوع ثقافة البذخ والإسراف. وهذه المشكلة واجهتها الدول الغربية بعد موجة الحداثة، فقد كانت مثلنا تعرف الزواج المبكر، ولكن شهدت المجتمعات الغربية تغيرات في دور المرأة وشيوع منظومة قيم جديدة في العلاقات الزوجية ساهم في رواجها اختراع الغسالة الذي خفف كثيرا من أعباء المنزل، واختراع موانع الحمل الذي شجع على ارتكاب الفجور دون خوف، ثم كانت الخطوة التالية بصرف المرأة عن العمل في بيتها لنفسها وزوجها وأطفالها لتعمل لصالح مديرها ورئيسها، وذلك إبان الثرة الصناعية حيث المرأة تعتبر عامل خانع وصاحب أجر منخفض مقارنة بالرجل، كما أنها تلبي نزوات المدراء وأرباب العمل، وبدلاً من قيام المرأة بأعباء البيت تصرف راتبها على استئجار من يقوم بذلك من خدم أو مطاعم ومحلات غسيل وكي وهكذا. ورافق هذا تأخر سن الزواج ولكن نداء الجسد وأشواقه لا تعترف بهذه التغيرات أصلاً، فكيف حين تكون الحداثة وما بعدها قد حطمت كل الأسس الأخلاقية والدينية وأججت نار الشهوة والجنس بكل وسيلة وسخرت وسائل الإعلام والاتصال لتوسيع دائرة لهب الجنس، حتى قيل بحاجة كل ثانوية في أمريكا لغرفة ولادة للنسبة العالية للطالبات الحوامل، واعتمد هذا كله على نظريات فلسفية وورؤى فكرية تبرر وتشرْعن هذا الانحلال الخلقي والسعار الجنسي، وهنا كانت نقطة التلاقي بين أصحاب الأهواء وأصحاب المصالح. فأصحاب الأهواء وجدوا مناخاً مناسبا لبث سمومهم وأحقادهم، وأصحاب المصالح وجدوا سوقاً واعداً مبشراً ببيع كثير، فحولت النظريات الإباحية إلى أعمال ثقافية وفنية من روايات ومسرحيات وأفلام ومعارض، فراجت هذه الأفكار من جهة وتضخمت الأرصدة من جهة أخرى، فمثلاً نشرت صحيفة "المصريون" في 20/4/2010 أن تجارة الأدوات الجنسية في  مصر ازدهرت خلال السنوات الأخيرة وأن شركات إسرائيلية تقوم بتصدير بضائع جنسية إلى مصر تتمثل في شرائط جنسية وأعضاء جنسية صناعية ومجلات جنسية يتم إدخالها إلى مصر بطرق غير مشروعة تقدرها بعض المصادر بـ 250 مليون دولار سنويا. ولحل أزمة تأخر سن الزواج قدمت ما بعد الحداثة حلها السحري بإلغاء مؤسسة الزواج من جذرها!! بدعوى أن "الزواج السجن الأبدي للمرأة يقطع آمالها وأحلامها"، بحسب "سيمون دي بوفوار" (1908-1986) عشيقة منظر الفكر الوجودي بول سارتر. وحين ألغت ما بعد الحداثة مؤسسة الزواج كان البديل الذي قدمته هو الفوضي الكاملة في مجال الجنس من خلال إباحة كل أشكال وصور الجنس ولو مع الحيوانات، مع رعاية الدولة لما ينتج عن ذلك من أمراض وأضرار وأطفال، والاعتراف بحرية الشذوذ الجنسي من الشروط التي لم تحققها تركيا بعد لتنال حق دخول الاتحاد الأوروبي!! وفي ظل عصر الحداثة وما بعدها، فإن الخيارات المتاحة أمام الشباب والشابات بسبب تأخر سن الزواج هي: 1- الصبر والاستعفاف عن الوقوع في الحرام حتى يتمكنوا من الزواج، وهذا هو الغالب على الشباب والشابات في هذا الجيل نتيجة لجهود الصحوة الإسلامية المباركة، وبدأ الغرب يشهد ظهور مجموعات شبابية تتعاهد على العفة حتى الزواج، في عودة للفطرة السليمة بعد هذا السعار الجنسي المجنون الذي يشهده الغرب. 2- ظهور أشكال جديدة من الزواج التي تتوفر فيها أركان الزواج الشرعي مع تنازل المرأة غالبا عن بعض حقوقها كزواج المسيار. 3- ظهور أشكال متنوعة من العلاقات الجنسية باسم الزواج لا تتوفر فيها أركان الزواج الشرعي، مثل ما يروج بين طلبة الجامعات من الزواج العرفي بأشكاله وطرقه المتعددة، وزواج المتعة، وهذه العلاقات الجنسية يرفضها الإسلام لعدم شرعيتها، ولكن العجيب أن يرفضها مندوبو ما بعد الحداثة فقط لإطلاق وصف "زواج" عليها، إذ أنهم يرفضون حتى اسم الزواج!! 4- الوقوع في العلاقات الجنسية المحرمة سواء كانت بمقابل مادي أو بدونه. وتكشف الدكتورة أليسار راضي، مستشارة صندوق الأمم المتحدة للسكان، في بحثها "الصحة الإنجابية والجنسية لدى المراهقين والشباب في منطقة شرق المتوسط" والمقدم إلى مؤتمر برلمانيي أفريقيا والدول العربية بالرباط عام 2003 أن "هنالك اتجاه في معظم دول المنطقة نحو بدء النشاط الجنسي مبكراً لدى الشباب ... في لبنان حوالي 48% بين عمر (15-24 سنة) ضمن العينة يقيمون علاقات جنسية خارج إطار الزواج، وأن فقط 42% منهم يستعملون الواقي الذكري، 33% لديهم عدة شركاء جنسيين. وأشارت دراسة أخرى في لبنان أن حوالي 15% من طلاب الصفوف الثانوية من عمر (15-18) الذين شملتهم الدراسة قد أقاموا علاقة جنسية كاملة واحدة على الأقل، وأن حوالي 8.4% منهم هم حالياً ناشطين جنسياً لا سيما الذكور، ... في جيبوتي أن حوالي 7% من الشباب مارسوا الجنس مع مومسات وأن 61% منهم لايستعملون الواقي الذكري... من جهة أخرى، تشير المعطيات الوبائية لدى برامج مكافحة الإيدز في المنطقة أن معظم الإصابات حصلت عبر العلاقات الجنسية. إذا أخذنا بعين الاعتبار طريقة انتقال وتطور مرض الإيدز لدى المصابين يمكننا أن نستنتج أن نسبة كبيرة من هذه الإصابات حصلت خلال  فترة المراهقة بسبب ممارسة علاقة جنس غير مأمونة". أ.هـ لم تقتصر أزمة الزواج بسبب الحداثة وما بعدها في المجتمعات الإسلامية عند هذا الحد، بل يسعى مندوبو الحداثة وما بعدها في مجتمعاتنا الإسلامية لمزيد من تعقيد أمور الزواج، وهم يفعلون ذلك اليوم تحت ستار ومظلة المواثيق الدولية، وهم يعملون على مستويين متناقضين: المستوى الأول: التذرع بالمواثيق والاتفاقيات الدولية لمنع الزواج المبكر بحجة حماية الطفولة البريئة وعدم وجود الإستعداد النفسي والصحي خاصة لدى الفتيات. يتذرع البعض بفارق السن في الزواج المبكر، وهذه حالات نادرة لا يصح المنع لأجلها، ويتذرع البعض بعدم أهلية المراهقة للأمومة، والعجيب أن كثيرا من مقالات هؤلاء بمناسبة عيد الأم تفاخر بكفاح أمه التي رعته وإخوته حتى صاروا رجالاً وهي قد تزوجت مبكرة وكذلك أبوه!! ولو قارنا بين تربية أمه وأبيه، وبين تربيته وزوجته الحداثية لما كانت النتيجة في صالحه أبداً!! والمستوى الثاني: هو التذرع بنفس المواثيق الدولية لنشر الثقافة الجنسية بين المراهقين في المناهج المدرسية، وتوفير الثقافة وخدمات الرعاية الصحية الإنجابية للمراهقين، وطبعاً المقصود خارج إطار الزواج، إنهم يعتقدون بحق هؤلاء المراهقين في "اكتشاف أجسادهم" ومساعدتهم على تخطى أي صعوبات تواجههم في ذلك مثل الحمل أو الإصابة بالأمراض الجنسية، وفي نفس الوقت يجب منعهم من الزواج لأنه يتعارض مع طفولتهم!! ومن أزمات الحداثة وما بعدها سعيها لمنع الزواج المبكر، وتغاضيها عن اغتصاب الصغيرات وزنى المحارم، وعدم محاربته وتجفيف منابعه. ومن أزمات الحداثة وما بعدها سعيها لمنع الزواج المبكر والحمل المبكر، والدعوة لحق المراهقة في الحصول على دعم الدولة والمجتمع في رعاية طفلها من الزنى، وتسهيل انخراطها في المجتمع. ومن أزمات الحداثة وما بعدها سعيها لمنع الزواج المبكر، وعجزها عن كبح تفاقم شبح التحرش الجنسي. ويبقي السؤال الموجه لمندوبي الحداثة وما بعدها: إذا كانت الحرية الجنسية من حق المراهقين فلماذا زواجهم ممنوع؟؟ وهل يقبلون بتوجيه الراعاية الصحية والإنجابية للزوجات الصغيرات أم ذلك فقط للزانيات الصغيرات؟؟ هذه الأسئلة هي من باب الكشف عن ازدواجية المعايير وبيان حقيقة أجندة مندوبو الحداثة وما بعدها، إذ أن عدد حالات الزواج المبكر أقل بكثير عن حالات الإغتصاب والزنا للصغيرات.