أبشروا بالتطرف !!

الرابط المختصر
Image
أبشروا بالتطرف !!

نشرت الغد مؤخراً تقريراً عن تحول أبناء بعض السياسيين والمسؤولين نحو الجهاد في سوريا والالتحاق بالتنظيمات الإسلامية المسلحة هناك، وهذا شيء طبيعي لمن يقرأ المشهد العام بشكل موضوعي، فبعد أن راج عقب الثورات في تونس ومصر مقولة أن فكر العنف وخطاب القاعدة انتهى وأن الجماهير العربية عرفت طريقها للتغيير بشكل سلمي وحضاري، إلا أننا بتنا نشك في ذلك ! وبرغم مئات المؤتمرات والندوات عن ضرورة التعددية والانفتاح بين الإسلامين ومعارضيهم ومخالفيهم فضلاً عن المقالات والأحاديث الإعلامية، إلا أن الوقائع على الأرض اليوم تنسف هذه الشعارات والدعوات عن بكرة أبيها، فما هو السبب في ذلك، دعونا نحاول لملمة المشهد بقدر الإمكان: في سوريا يصطف اليساريون بمختلف ألوانهم وأطيافهم خلف بشار الأسد جنباً إلى جنب مع كل الميلشيات الشيعية التابعة لإيران من لبنان والعراق واليمن والبحرين والعراق والسعودية. وفي الوقت الذي تعادي هذه الأحزاب اليسارية الإسلام السياسي السني في مختلف البلاد تتحالف مع الإسلام السياسي الشيعي !! والذي يمتلك نسخته الخاصة للديمقراطية والتي هي أسوأ بمراحل كثيرة جداً عن ديمقراطية الحركات الإسلامية التي ترفضها هذه الأحزاب اليسارية، فهل لهذا تفسير سوى الانتهازية ؟ في سوريا تتواصل المجازر اليومية وأنهار الدماء تسيل بينما لا يزال محور الإجرام النظام السوري والروسي والإيراني والصيني يتلاعب ويستغل ورقة التطرف والإرهاب في مفاوضاته مع الغرب والجامعة العربية، وليس مهما أرواح السوريين الأبرياء التي تزهق، وهذا كله والنظام السوري هو من كان يسهل لهم العبور للعراق وهو من أطلق سراح المسجونين منهم مع اندلاع الثورة !! أما في مصر فجبهة الإنقاذ تقود كافة المعارضين والخصوم للإخوان وللتيار الإسلامي في عداء صارخ لا يحتكم إلى أي قيمة علمانية أو حداثية أو ديمقراطية مما يتغنون بها ويتشدقون، بل يصرح بعضهم بأنهم لن يسمحوا للإسلاميين بالحكم وأن مكانهم الطبيعي السجون، ثم لا ينكر البقية عليهم هذا التصريح، وهو ما يعرف بالفقه الإسلامي الإجماع السكوتي ! وما يجري على أرض مصر من أحداث شغب وعنف لو قام ببعضه الإسلاميون لقامت الدنيا ولم تقعد. وفي تركيا يؤيد العلمانيون وفلول إيران وبشار المظاهرات الشيوعية التخريبية والتي لا مبرر لها سوى العجز عن التقدم باللعبة الديمقراطية. وينظر الإسلاميون إلى بعضهم البعض علام يحارب العلمانيون وخاصة اليساريون أردوغان ؟ فإذا كان أردوغان برغم تهاونه ومسايرته للعلمانيين من جهة والإنجاز الضخم والأمانة والشرف من جهة أخرى لا يرضى عنه العلمانييون وخصوم الإسلاميين فما هو النموذج الذي يرضيهم ؟ ويمكنهم التعايش معه ؟ وفي لبنان يتحرك الجيش اللبناني ضد مجموعة الشيخ أحمد الأسير بينما عربدة حزب الله باحتلال بيروت أو انفجارات مستودعاته كل فينة فأمر لا يعني الجيش ! وفي بورما يقتل المسلمون في حرب إبادة عرقية ودينية ولا يتحرك العالم ولا أحد يدافع عن هؤلاء المساكين. ويتصدر المسلمون قوائم المهجرين والللاجئين في العالم من أفغانستان والصومال وسوريا والعراق والسودان وطبعا فلسطين من قبلهم وهذا الظلم والبطش تجاه الإسلاميين بل والإسلام لا يختلف في البلدان الأخرى فخصوم ومعارضو الإسلاميين لا يعارضون بشرف ورجولة مواطن الخطأ والزلل – وهي موجودة – ولا يسعون لتقديم البديل، بل إن الغاية هي إنهاء الوجود الإسلامي السياسي نفسه وإعادة وضعه في السجون ولوكان ذلك بالتحالف مع الشيطان أو خراب الأوطان. الإسلاميون ليسوا كتلة واحدة وليسوا على رأي واحد، فهم أطياف متنوعة ولهم جمهور عريض ولكن الجميع يشعرون اليوم أن الروح الإيجابية التي سادت بداية الربيع العربي من التعاون والانفتاح مع بقية الأطياف تتلاشي، وأن فكرة نبذ العنف والتطرف التي فرح الجميع بها تكاد تغيب وتتصاعد أصوات المنادين بالحسم والقوة بعد أن خفتت وتوارت عن الأنظار، وحجتهم بأن الحل الوحيد للصراع مع الدولة العميقة والرافضين للمشروع الإسلامي هو الحسم وعدم التهاون لأنهم لن يرحموا التيار الإسلامي إذا تمكنوا. وأصبح التساؤل المطروح بقوة اليوم في أوساط الإسلاميين وجماهيرهم الغفيرة، هل يمكن التعايش مع هؤلاء الخصوم الذين لا يقبلون بأي تسوية أو حل لا يتضمن التنازل عن أي مكتسب للإسلاميين بالانتخابات، وأن على الإسلاميين تسليم خصومهم مقاليد القيادة سواء فازوا أو خسروا في الانتخابات! وأصبح التساؤل بين الإسلاميين وجماهيرهم: إلى متى يتحالف العلمانيون والطائفيون والخارج ضد رغبة الجماهير باختيار المشروع الإسلامي ؟ وأصبح التساؤل في أوساط الإسلاميين وجماهيرهم: عن جدوى اللعبة السياسية وعن صلاحية السلمية منهج للتغيير الحقيقي في مجتمعاتنا ؟ إن تصاعد وتيرة العنف سيكون هو النتيجة الوحيدة لهذه السياسات والمسلكيات العلمانية والطائفية من الداخل والخارج، لقد شبت الشعوب والجماهير عن الطوق، فإما أن تجد لها متنفساً سلمياً في السياسة تمارس فيه قناعاتها بشكل حقيقي وإلا إذا حوصرت وضيق عليها الخناق فإن تطرف البعض أو الكثير لن يكون مستغرباً. إن نزع فتيل العنف والتطرف في المنطقة هو اليوم بيد القوى السياسية المختلفة والسلطات الحاكمة والقوى الدولية بإقرار العدل والقبول برغبة الجماهير بالمشروع الإسلامي، مع النقد والمعارضة البناءة والإيجابية. لكن يبدو أن القوى الدولية والعلمانية والطائفية المحلية ترغب بدوام دوامة العنف لتبرر بها جرائمها وعدوانها واستبدادها وانقلابها على الديمقراطية وقبل هذا كله لضمان بقاء إسرائيل آمنة مطمئنة لا ينكر عليها عدوانها وجرائمها واحتلالها في وسط غابة الإرهاب والتطرف.