رؤية في أزمة الأمة وحلها

الرابط المختصر
Image
رؤية في أزمة الأمة وحلها

"أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعقابه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا.........". هذا الشرح الموجز من جعفر الطيار رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة يكاد يكون أفضل تلخيص لحقيقة الرسالة الإسلامية وطبيعة النقلة التي أحدثها الإسلام في نفوس أتباعه، كما يصور طبيعة العدوان والظلم الذي يلاقيه المؤمنون عبر التاريخ ولليوم من لدن الكفار دون ذنب جنوه أو خطأ ارتكبوه!! فالغاية القصوى التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم هي مرتبة الإحسان، وهي الإحسان إلى الله بحسن طاعته، والإحسان إلى خلقه بحسن التعامل والمعاشرة معهم. وهذا الإسلام العظيم الذي جاء به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أنجز في سنوات معدودات سيادة حالة إيمانية جلبت معها الأمن والسلام، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، و الذئب على غنمه" رواه البخاري. وبدأت مسيرة مباركة في تاريخ البشرية حملت للعالم الإيمان والأمان والسعادة والهناءة، حين ربطت البشرية بخالقها ومولاها دون وسائط أو عوائق، فحررت النفوس المستعبدة وساوت بين الأجناس والشعوب، وحثت على العلم والمعرفة والإبداع، مما شكل قفزة عملاقة على صعيد تاريخ العلوم والاختراعات، مما جعل دائرة نفوذ الإسلام تتوسع بشكل مذهل لم يسبق للتاريخ أن شهد مثله، وأعجب من ذلك أنه حتى حين تقلص نفوذ دولة الإسلام عن كثير من المناطق، بقي الوفاء والانتماء للإسلام هما شعار أهل هذه المناطق. ولكن بعد هذا المجد العظيم والتقدم الكبير حصل الضعف والتردي والانكسار ومن ثم الهزيمة، وقد تعددت محاولات الباحثين والمفكرين لمعرفة لماذا حدث ذلك؟ وما السبيل لإصلاح الخطأ وتقويم المسيرة؟ وبعيدا عن الخوض في تفاصيل ما تم طرحه من إجابات عن هذين السؤالين نجد أن هناك اتفاقـا بين غالب الآراء على أمرين هما: أن الصدر الأول من أمة الإسلام الذين شيدوا هذه التجربة الغنية والفذة، لم يكن لهم من مرشد وموجه سوى صفاء نور الوحي المتمثل بالكتاب والسنة، فلم يعرفوا منطق اليونان، ولا روايات بني إسرائيل، ولا شطحات الصوفية، بل كان مرجعهم الوحيد هو تمسكهم بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وفهمهما بحسب مقتضيات اللغة العربية دون إعتساف في التأويل أو ظاهرية مضحكة، امتثالاً لقوله تعالى: "فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقي" (البقرة:38)، وقوله تعالي: "بلسان عربي مبين" (الشعراء:195). أن كل المحاولات التي تمت لعلاج هذه الهزيمة لم تنجح في الوصول لما نريد، مع حصول نجاحات جزئية، مما يؤكد أن العلاج المطلوب لم يتم الوصول له بعد!!   وهذا يجعلنا مطالبين مرة أخرى بمراجعة التشخيص للوصول للدواء الصحيح، ولعلنا إذا راجعنا مسار القضية في التاريخ مع استحضار الملاحظة الأولى، يمكن ربط القضية بخلل في المرجعية الدينية، فالله قد تعهد بحفظ كتابه الكريم "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر:9)، ولكن فهم بعض المسلمين للقرآن قد يخطئ، ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" رواه أبو داود. ولذلك حين اختلطت كثير من الآراء والأفكار الوافدة من خارج دائرة الوحي بالإسلام، مثل الإسرائيليات ومنطق اليونان والروايات المدسوسة التي وضعها الزنادقة، والتعصب لأقوال العلماء والرجال ولو خالفت أقوالهم القرآن والسنة، حين أصبحت هذه الأشياء هي الموجه لتفكير وسلوك المسلمين بدأ الضعف يظهر، وكلما استفحلت هذه الوافدات كلما اشتد الضعف بالمسلمين. ولذلك يمكن لنا ملاحظة أنه كلما برزت دعوة علمية للرجوع للمنبع الصافي للإسلام وهو الوحي الشريف القرآن والسنة، وتجاوزت هذه الرواسب والشوائب كان لها أثر ملحوظ في تحسين أوضاع المسلمين ورفع مكانتهم. ومن أبرز الأمثلة على هذه الجهود الإصلاحية المعاصرة والمستندة على مرجعية الوحي: إصلاح الأزهر وقد دوّن تفاصيل هذه التجربة الغنية والمهمة، العلامة محمد رشيد رضا في كتابه "المنار والأزهر". و اختلاط الإسلام بالشوائب قد يفسر لنا السبب الذي يجعل الثقافة العامة اليوم لأمتنا هي ثقافة سلبية وسيئة في بعض القضايا بل مخالفة ومناقضة لصريح القرآن والسنة، كإهمال العلم والتفكير، أو عدم الحرص على العمل والإنتاج والإيجابية، أو سوء الخلق والأدب، فضلاً عن أبجديات النظافة والتعاون والنظام!!  ولعل السبب الرئيس هو بعد أمتنا عن الاغتراف من نور الوحي، وشيوع ثقافة دينية مزورة تحت مسميات شتى. ومن أمثلة هذا البعد عن منبع الوحي - ونحن نتحدث عن فترة تاريخية طويلة وليس عن واقع ما نعيشه من صحوة لم تستكمل بعد مسيرتها – أن نسبة الأمية لا تزال لليوم في العالم العربي تتجاوز 45% مع كل الجهود الرسمية والشعبية، فكيف لهؤلاء الأميين أن يغرفوا من منبع الوحي؟؟ وحتى الذين تجاوزوا عقبة الأمية كم منهم يقرأ القرآن فضلاً عن السنة النبوية؟ وأيضاً ما هي الحصيلة اللغوية الموجودة لدى الجمهور ليدرك ويفهم مراد الوحي الرباني؟   أما الثقافة الدينية المزورة فمظاهرها عديدة جداً، ومن أبرزها جناية الفكر الصوفي الخرافي الذي ملأ حياة المسلمين فترات طويلة من الزمن ولا يزال، ومن يطالع كتب التاريخ بعامة والكتب المختصة بالدور الاجتماعي والسياسي والفكري الذي قام به الفكر الصوفي الخرافي سيجده مليئـا بالكرامات الكاذبة، والأوراد الباطلة، والصد عن العلم والتعلم، بل جعل الكتاب والقلم عورة لا ينبغي أن تُرى مع المسلم!! ومما قام به الفكر الصوفي الخرافي أيضا: نشر ثقافة التواكل والكسل بدعوى التوكل على الله، والترويج لأولياء لا يلمسون الماء شهورا طويلة مما رسخ ثقافة القذارة التي نعيشها، والترويج بين المسلمين لأفكار وعقائد فاسدة مثل الرضى بقضاء الله باحتلال الكفار بلاد الإسلام، أما عقلاؤهم فأرادوا دفع الاحتلال بقراءة سورة الأنفال أو صحيح البخاري في المساجد!! وقد أثبت الدكتور محمد عيسى صالحية في مقدمة تحقيقه لكتاب "الموفي بمعرفة التصوف والصوفية" أن التصوف هو الذي نشر الحشيش والمخدرات بين المسلمين!! ولا تزال جماهير كثيرة من المسلمين اليوم تقع في قبضة هذا التصوف الخرافي، ولذلك تجد هؤلاء المساكين لا يزالون يتعلقون بالحجب وحفلات الزار والموالد وقبور الأولياء، كما أنهم يشكلون مصدر دخل ضخم لشيوخ الصوفية الدجالين. ولا تزال هذه الجماهير المسكينة تعيش أسيرة لرغبات شيوخ الشعوذة والدجل الصوفي، كما أنها تتمسك بكثير من العادات المنافية للإسلام من هضم حقوق المرأة في الميراث والزواج، أو في تقديم القرابين للقبور والأضرحة بحسب منزلة كل ضريح!! أو ترك العلاج والإستشفاء والقنوع ببخور الجان!! أو ما يحصل في الموالد من فواحش وآثام حذر منها حتى المجلس الصوفي الأعلى بمصر!!   ومن العجيب أنه في الوقت الذي تحاول فيه أمتنا النهوض من كبوتها وضعفها، وتهاجم من قبل أعدائها وتتهم بأنها رجعية وتؤمن بالخرافات وما شابه ذلك، في هذا الوقت تأتي التوصيات من مراكز الدراسات الإستراتيجية في الغرب وخاصة من الولايات المتحدة بدعم هذه التيارات الصوفية الخرافية في مواجهة الحركات الإسلامية!!   الخلاصة إن العودة الجماعية وليست الفردية أو الجزئية للنبع الصافي المتمثل بالوحي الرباني القرآن والسنة، وجعله المرجعية العامة للجميع، واستنباط الحلول من هذه المرجعية للواقع الذي نعيشه هو سبيل الفلاح والنجاة، وهذا الطريق مسؤولية فردية وجماعية، فإن قصرت المجموعة فليس الفرد بمعذور عن ترك هذا السبيل.